فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٠٥ - الأمر الثاني
سلب القدرة، و من هنا كانت الأحكام مشتركة بين العالم و الجاهل.
و الحاصل: انّه فرق بين ترك الشّيء لعدم القدرة عليه، و بين تركه لجهله بحكمه، فالتّعلّم ليس من المقدّمات العقليّة الّتي لها دخل في القدرة، و ح لا يكون تركه من باب ترك المقدّمات المفوّتة، و ليس ملاك وجوبه هو قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار، بل ملاك وجوب التّعلم هو ملاك وجوب الفحص في الشّبهات الحكميّة، و هو حكم العقل بلزوم أداء العبد وظيفته، حيث انّ العقل يرى انّ ذلك من وظائف العبد بعد تماميّة وظائف المولى، فانّ العقل يستقلّ بأنّ لكلّ من المولى و العبد وظيفة، فوظيفة المولى هي إظهار مراداته، و تبليغها بالطرق المتعارفة الّتي يمكن للعبد الوصول إليها ان لم يحدث هناك مانع، فوظيفة المولى هي تشريع الأحكام و إرسال الرّسل و إنزال الكتب، و بعد ذلك تصل النوبة إلى وظيفة العبد، و انّه على العبد الفحص عن مرادات المولى و أحكامه، و حينئذ يستقلّ العقل باستحقاق العبد للعقاب عند ترك وظيفته، كما يستقل بقبح العقاب عند ترك المولى وظيفته.
و الحاصل: انّه بعد التفات العبد إلى انّ هناك شرعا و شريعة، يلزمه تحصيل العلم باحكام تلك الشّريعة، و إلّا كان مخلا بوظيفته، حيث انّ وظيفة العبد هو الرّواح إلى باب المولى لامتثال أوامره، و لو لا استقلال العقل بذلك لانسدّ طريق وجوب النّظر إلى معجزة من يدّعى النّبوة، و للزم إفحام الأنبياء، إذ لو لم يجب على العبد النّظر إلى معجزة مدّعى النّبوة لما كان للنّبي ان يحتجّ على العبد بعدم تصديقه له، إذ للعبد ان يقول: لم اعلم انّك نبيّ، و ليس للنّبي ان يقول: لم لم تنظر في معجزتي ليظهر لك صدق مقالتي؟ إذ للعبد ان يقول انّه لم يجب عليّ النّظر في معجزتك.
و بالجملة: العقل كما يستقلّ بوجوب النّظر في معجزة مدّعى النّبوة، كذلك يستقلّ بوجوب تعلّم أحكام الشّريعة و الفحص عن الأدلّة و المقيّدات و المخصّصات، إذ المناط في الجميع واحد، و هو استقلال العقل بأنّ ذلك من وظيفة العبد، و من هنا لا يختصّ وجوب التعلّم بالبالغ، كما لا يختصّ وجوب النّظر إلى المعجزة به، بل يجب ذلك قبل البلوغ إذا كان مميّزا مراهقا ليكون أول بلوغه مؤمنا و مصدقا بالنّبوة،