مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٨٥ - الأولى الإمام
..........
الحاكم مطلقا بعلمه مطلقا، لأن العلم أقوى من الشاهدين اللّذين لا يفيد قولهما عند الحاكم إلا مجرّد الظنّ إن كان، فيكون القضاء به ثابتا بطريق أولى. و لعموم الأدلّة الدالّة على الحكم مع وجود الوصف المعلّق عليه، كقوله تعالى:
وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا [١] الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ [٢]، و الخطاب للحكّام، فإذا علم الحاكم بالوصف عمل به، و هو أقوى من الحكم، و إذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيرها أولى.
و احتجّ المانعون مطلقا بما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في قضيّة الملاعنة: «لو كنت راجما من غير بيّنة لرجمتها» [٣]. و بأن فيه تهمة، و هي تمنع القضاء، و تزكية لنفسه، و هي ممنوعة أيضا.
و أجيب بمنع سند الرواية، فإنها عاميّة. و التهمة و التزكية آتيان في القضاء بالشهود مع أنه غير مانع اتّفاقا.
و احتجّ المانع في حقوقه تعالى بأنها مبنيّة على الرخصة و المسامحة، فلا يناسبها القضاء بالعلم.
و فيه نظر، لأن المسامحة قبل الثبوت لا بعده.
و القول الذي نقلناه عن ابن الجنيد لم يذكر عليه دليلا، و لا نقلوه عنه.
و بذلك يظهر اختصاص المشهور بالقوّة.
و اعلم أن من منع من قضائه بعلمه استثنى صورا:
[١] المائدة: ٣٨.
[٢] النّور: ٢.
[٣] عوالي اللئالي ٣: ٥١٨ ح ١٤، و انظر أحمد ١: ٣٣٦، صحيح البخاري ٧: ٧٢، صحيح مسلم ٢:
١١٣٥ ح ١٣، سنن ابن ماجه ٢: ٨٥٥ ح ٢٥٦٠، سنن البيهقي ٧: ٤٠٧.