مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٤٩٧ - الثالثة لا تسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة، و لا تتوجّه اليمين على المنكر
..........
تسمع في الحدود، لأنها حق اللّه تعالى، و المستحقّ لم يأذن في الدعوى، و لم يطلب الإثبات، بل ظاهره الأمر بخلاف ذلك، لأمره بدرء الحدود بالشبهات [١]، و بالتوبة عن موجبها من غير أن يظهره للحاكم [٢]. و قد قال (صلّى اللّه عليه و آله) لمن حمل رجلا على الإقرار عنده بالزنا: «هلّا سترته بثوبك» [٣].
هذا إذا كانت الحدود حقّا محضا للّه، كحدّ الزنا و شرب الخمر. و لو اشتركت بينه و بين الآدمي كحدّ القذف، ففي سماع الدعوى بها من المقذوف قولان، أحدهما- و هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط [٤]- أنها تسمع، ترجيحا لجانب حقّ الآدميّ، و هو المقذوف.
و فرّع الشيخ على قوله بأنه: لو ادّعى عليه أنه زنى لزمه الإجابة عن دعواه، و يستحلف على ذلك، فإن حلف سقطت الدعوى و لزم القاذف الحدّ، و إن لم يحلف ردّت اليمين على القاذف فيحلف، و يثبت الزنا في حقّه بالنسبة إلى سقوط حدّ القذف، و لا يحكم عليه بحدّ الزنا، لأن ذلك حقّ للّه تعالى محض.
و استشكل المصنف- (رحمه اللّه)- ذلك، لعموم قوله (عليه السلام): «لا يمين في حدّ» [٥]. و في مرسلة البزنطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال أتى رجل إلى
[١] الفقيه ٤: ٥٣ ح ١٩٠، الوسائل ١٨: ٣٣٦ ب «٢٤» من أبواب مقدّمات الحدود ح ٤.
[٢] راجع الوسائل ١٨: ٣٢٧ ب «١٦» من أبواب مقدّمات الحدود.
[٣] مسند أحمد ٥: ٢١٧، سنن أبي داود ٤: ١٣٤ ح ٤٣٧٧، سنن البيهقي ٨: ٣٣٠- ٣٣١، تلخيص الحبير ٤: ٦٨ ح ١٧٧٩.
[٤] المبسوط ٨: ٢١٥- ٢١٦.
[٥] التهذيب ١٠: ٧٩ ح ٣١٠.