شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٢ - الحديث العاشر
[الحديث التاسع]
٩- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ أدّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد، ثمّ فوّض إليه عزّ ذكره:
«مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» فما فوّض اللّه إلى رسوله (صلى اللّه عليه و آله) فقد فوّضه إلينا.
[الحديث العاشر]
١٠- عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن صندل الخيّاط عن زيد الشحّام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: «هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ» قال: أعطى سليمان ملكا عظيما ثمّ جرت هذه الآية في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكان له أن يعطي ما شاء من شاء و يمنع من شاء، و أعطاه [اللّه] أفضل ممّا أعطى سليمان لقوله: «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».
قوله (ثم جرت هذه الآية)
(١) لانه فوض إليه (ص) المنع و الاعطاء المتعلقين بالرئاسة الدنيوية أيضا.
قوله (أفضل مما اعطى سليمان [١])
(٢) حيث فوض إليه أمر الدين المتعلق
[١] قوله «أفضل مما أعطى سليمان» حاصل أحاديث هذا الباب و المعنى الّذي يتفق عليه جميعها أن بعض الاحكام مفوض الى الرسول (ص) و بعضها موحى إليه من اللّه تعالى و يشكل بأن ما يفرضه الرسول (ص) لا يمكن أن يكون الا بامر اللّه تعالى و هو «لا ينطق عن الهوى ان هو وحى يوحى» و الجواب أن جميعها و ان كانت من اللّه تعالى و بأمر اللّه لكن الفرق فى الطريق الموصل فبعض الاحكام يوحى إليه قرآنا بوسيلة روح القدس و بعضها غير قرآن و بعضها إلهام و القاء فى الروع و بعضها بعلمه (ص) بالمصلحة الملزمة و ليس هذا أمرا غريبا كما يتفق للعلماء و انهم يستنبطون الحكم تارة من الكتاب الكريم و تارة من نص الرسول (ص) و تارة من فحوى الخطاب كاستفادة حرمة ضرب الابوين و شتمهما من قوله تعالى «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» و تارة يعرفون الحكم من العقل مجردا من النص المنقول كحرمة الغصب و قتل النفوس و ليس معنى تفويض اللّه تعالى بعض أحكامه الى رسوله أنه تعالى لا يعلم و لا يقصد ما يفعله الرسول و لا يجعل حكما و لا يريد شيئا الا تبعا لارادة الرسول (ص) بل الامر بالعكس لكن عرف (ص) وجوب الركعتين الاولتين بنص جبرئيل فى ليلة الاسراء و وجوب الركعات الاخر بالهام و قوة قدسية من اللّه أيضا كما أن جميع ما نعرفه بعقلنا بل بحسنا انما هى من جانب اللّه تعالى و ان لم يكن بوحى و إلهام بل باعداد مقدمات و حصول معدات لا تنفك فى سنته تعالى عن افاضة العلم و الادراك و لما جرت عادة الناس بان ينسبوا ما استفادوا من غير سبب و واسطة الى نفس المسبب و ما استفادوا بواسطة الى الواسطة مع اعتقادهم بأنه من ذى الواسطة فيتبادر من قولهم شربت الماء من النهر انهم شربوا منه بلا واسطة لا من الحياض و الحباب و الكوز التى فى دارهم مع أنها من النهر أيضا جرى فى هذه الاخبار على اصطلاحهم كما هو دأب الشرع فى التكلم مع الناس بلسانهم فسمى ما اوحى إليه بلفظه من اللّه تعالى مثلا فرض اللّه و ما ألهم به بقوته القدسية و علمه بالمصلحة الملزمة مثلا فرض الرسول و ان كانت جميعا فرض اللّه تعالى و مذهبنا المتفق عليه بيننا أن الأنبياء لا يشرعون حكما باجتهادهم على ما صرح به علماؤنا فى كتب التفسير و الكلام فراجع ما قالوا فى تفسير آية «فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ- الآية» لكنه تعالى أدب رسوله فاحسن أدبه و جعل فيه الخلق العظيم و اذا حصلت فيه القوة القدسية استعد لقبول الالهام و الالقاء فى الروع و أمثالهما كما فى هذه الاخبار و بينه الشيخ الرئيس فى الاشارات أحسن بيان. (ش)