شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٩ - الحديث الأول
عثمان صعد المنبر و خطب بخطبة- ذكرها- يقول فيها: ألا إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلن بلبلة و لتغربلنّ غربلة،
منهم ممن عصاه فيكرم الاول و يهين الثانى فأطلق عليه لفظ الابتلاء و الاختبار باعتبار التشارك فى الصورة و الاثر و كذلك ابتلاء الانسان و اختباره بما أوجد فيه من الطبيعة المائلة الى الفساد فانه لما خلق فيه من القوة الشهوية و الغضبية و ما يتبعها، و كان لهذه القوى ميول الى لذات الدنيا و كانت النفس فى الاكثر تابعة لها مائلة الى مشتهياتها ثم مع ذلك كان المطلوب من النفس ترك تلك المتابعة و الالتفات الى أمر الآخرة و جذب تلك القوى و استعمالها فى ذلك الامر كانت ارادته تعالى لذلك الالتفات مع منازعة الهوى و جذب القوى و ما يترتب عليه من الثواب و العقاب أشبه ابتلاء الانسان و اختباره لعبده فوهب له جميع ما يشتهيه ثم كلفه مع ذلك تكاليف شاقة لا يتمكن من فعلها الا بالتفاته عن مشتهاه و تنغيصه عليه فلا جرم صدر صورة الابتلاء و الاختبار من اللّه تعالى شبيهة بصورة ابتلاء الانسان و عليه فقس الاختبار بكل ما يختبره به و اللّه اعلم.
قوله (ألا ان بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيه (ص))
(١) أشار بذلك الى أنهم لم يكونوا على دين الحق و من أهل التقوى و الديانة كما لم يكونوا عليه يوم بعثة الرسول (ص) و فيه رمز على بطلان خلافة الثلاثة و خروج أكثر الصحابة عن الدين و قيل أشار به الى ما هم عليه فى اختلاف الاوهام و تشتت الآراء و عدم الالفة و الاجتماع فى نصرة اللّه عن شبهات يلقيها الشيطان على الاذهان القابلة لوسوسته المقهورة فى يده و ذلك من أعظم الفتن التى يبتلى اللّه عباده «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ» و هى امور تشبه ما كان الناس عليه حال بعثة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و فى ذلك تنبيه على أنهم ليسوا من تقوى اللّه فى شيء.
قوله (و الّذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة)
(٢) أى لتحركن بالشدائد حركة تزعجكم من مكانكم و تحيركم فى شأنكم أشار به الى ما يوقع بهم بنو امية و غيرهم من الخوارج و أمراء الجور من القتل و الاذى و الهموم: قال فى النهاية البلابل الهموم و الاحزان و بلبلة الصدر وسوسته و منه حديث على (ع) لتبلبلن الى آخره.
قوله (و لتغربلن غربلة)
(٣) أى يذهب خياركم و يبقى أراذلكم و فيه كناية عن التقاط آحادهم و قصدهم بالاذى و القتل كما فعل بكثير من الصحابة و التابعين و فى ذلك تشبيه لفعلهم بغربلة الدقيق و نحوه ليتميز شيء منه عن شيء و لذلك استعير له لفظها، و يحتمل أن يراد به خلط بعضهم ببعض و وقوع الاضطراب بينهم لان غربلة الدقيق يخلط بعضه ببعض