شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٣ - الحديث الثالث
و نفخ فينا من الرّوحين جميعا فأطيب بها طيبا.
الكلام المتقدم خلق غيرنا أهل البيت لان اللّه خلق طينتا من عشر طينات و لاجل ذلك شيعتنا منتشرة فى الارضين و السماوات و جبل فينا الروحين جميعا انتهى، أقول يمكن أن يراد بالخلق الجماعة من المخلوقات و يجعل مبتدأ و ما بعده خبره و يراد حينئذ بالجبل الجماعة المذكورين من الناس و غيرهم الذين جبلهم اللّه تعالى من احدى الروحين و احدى الطينتين قال الجوهرى الجبل الجماعة من الناس و فيه لغات قرء بها قوله تعالى «وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً» [بضم الجيم و سكون الباء] عن أبى عمرو. و جبلا [بضمهما] عن الكسائى و جبلا [بكسر الجيم و سكون الباء] عن الاعرج و عيسى بن عمر. و جبلا بالتشديد و الكسر عن أهل المدينة. و نقل عن الشيخ بهاء الملة و الدين أن معنى قوله «الخلق غيرنا» أن مادة بدننا لا تسمى جبلة بل تسمى طينة لانها خلقت من العشر طينات. انتهى و فيه أن هذا الكلام لا يدل على هذا المعنى على أنه لا وجه لتخصيصهم بذلك لان غيرهم من الأنبياء خلقت أبدانهم من الخمس طينات.
قوله (فأطيب بها طيبا)
(١) [١] الظاهر أن الضمير راجع الى العشر طينات و الروحين و أن
[١] قوله «فاطيب بها طيبا» قال صاحب الوافى- (رحمه اللّه)- و نقله المجلسى فى المرآة أيضا:
كانه شبه علم الأنبياء (عليهم السلام) بالنهر لمناسبة ما بينهما فى كون احدهما مادة حياة الروح و الاخر مادة حياة الجسم و عبر عنه بالنور لإضاءته و عبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لانه من شعاع ذلك النور و كما ان حافتى النهر يحفظان الماء فى النهر و يحيطان به فيجرى الى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم و يحيطان به ليجرى لى مستقره و هو قلب النبي (ص) أو الوصى و الطينات الجنانية كانها من الملكوت و الارضية من الملك فان من مزجهما خلق ابدان نبينا و الأوصياء (عليهم السلام) من أهل البيت بخلاف ساير الأنبياء و الملائكة فانهم خلقوا من احدى الطينتين كما ان لهم أحد الروحين خاصة من بعد جبله أى خلقه دون مرتبته. انتهى و انما عبر بكأن الدال على ترديده لعدم حكمه بان مراد الامام (ع) ما ذكره و لا بأس به لان الحديث غير نقى الاسناد و ليس معناه من واجبات الاعتقاد و الغرض التبرع بالشرح ان فرض صدوره من الامام (ع) و هذا الحديث على فرض صحته مصداق ما ورد أن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله ألا ملك مقرب او نبى مرسل او مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و فيه رد على من زعم ان ما لا يفهمه العقول السذج فهو باطل و أن كل ما ورد فى الاحاديث يجب أن يعرفه جميع الناس و الا فهو زخرف و نحن نرى فى الاحاديث امورا يختص بفهمه الحكماء الالهيون الماهرون فى العقليات و لا يعرف الناقلون شيئا من معناه أصلا و قد يدق عن فهم الحكماء أيضا و ما ذكره صاحب الوافى (رحمه اللّه) لا يخلو عن تكلف خصوصا حمله الروحين على قلب النبي (ص) و الوصى (ع) لان الظاهران الروحين مع جميع الائمة (عليهم السلام) فهما قوتان من قوى النفوس القدسية لقوله «و اما الارواح فمن فوق ذلك» و جميع هذه الروايات تدل على استقلال الروح عن الجسد و عدم كونها عرضا من أعراض المادة و الا لكان متأخرا مترتبا على خلق الاجسام خلافا للملاحدة و الماديين عليهم لعائن اللّه فان الموجود عندهم منحصر فى الجسم المادى و كل شيء غيره عرض او مظهر و حركة لها، قالوا ان الروح الانسانى واقع فى عمق عميق من مراحل المادة كالنور و الحرارة و ساير مظاهر التموجات و التشعشعات الا ان الصنعة و آلاتها الى الآن لم تعثر على مرحلة الروح كما عثرت على هذه التموجات و الحق أن الروح من أمر اللّه جاء من أعلى درجات العليين فوق المادة تحت عرش الرحمن و ليس واقعا فى العمق و لا فى المادة. (ش)