شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٠ - الحديث الثالث
فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود أن أجمع ولدك فمن قضى بهذه القضيّة فأصاب فهو وصيّك من بعدك، فجمع داود (عليه السلام) ولده، فلمّا أن قصّ الخصمان قال سليمان (عليه السلام) يا صاحب الكرم! متى دخلت غنم هذا الرّجل كرمك؟ قال: دخلته ليلا، قال:
قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك و أصوافها في عامك هذا. ثمّ قال له داود: فكيف لم تقض برقاب الغنم و قد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل و كان ثمن الكرم قيمة الغنم؟ فقال سليمان: إنّ الكرم لم يجتثّ من أصله، و إنّما اكل حمله و هو عائد في قابل، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود: أنّ القضاء في هذه القضيّة ما قضى سليمان به، يا داود! أردت أمرا و أردنا أمرا غيره، فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا و أراد اللّه عزّ و جلّ أمرا غيره و لم يكن إلّا ما أراد اللّه عزّ و جلّ، فقد رضينا بأمر اللّه عزّ و جلّ و سلّمنا. و كذلك الأوصياء (عليهم السلام)، ليس لهم أن يتعدّوا بهذا الأمر فيجاوزون صاحبه إلى غيره.
قال الكليني معنى الحديث الأوّل: أنّ الغنم لو دخلت الكرم نهارا، لم
يتخذ وصيا ثم نهاه أن يعينه برأيه قبل أن يأتيه أمره بالتعيين فكيف يجوز لجهلة من الناس أن يعينوا بآرائهم الفاسدة الكاسدة خليفة لرسول رب العالمين.
قوله (لم يجتث)
(١) على صيغة المجهول من اجتثه أى اقتلعه.
قوله (و انما أكل حمله)
(٢) الحمل بالفتح و السكون مصدر حمل الشيء و يطلق أيضا على ما كان فى بطن أو على رأس شجرة كذا فى المغرب و ذكر ابن دريد أن حمل الشجر فيه لغتان بالفتح و الكسر.
قوله (يا داود أردت أمرا و أردنا أمرا غيره)
(٣) ان قلت كيف يريد داود نبى اللّه أمر الخلافة لاحد لا يكون أهلا لها و ما معنى هذه الإرادة؟ قلت معناها ميل النفس الى خلافته لوجد انه أهلا بحسب عمله. و لما كانت الخلافة مبنية على امور جليلة و خفية يعلم بعضها أهل العلم و بعضها لا يعلمه الا اللّه تعالى كارتباط خاص باللّه تعالى و كمال علم و نهاية تقدس و هى من فيض اللّه تعالى أراد جل شأنه خلاف ارادته للتنبيه على أن العلم البشرى لا يكون مستقلا فى نصب الخليفة.
قوله (و سلمنا)
(٤) التسليم مترتب على الرضى، و الرضى على المحبة، اذ المحب يرضى بكل شيء من المحبوب فيسلم له.
قوله (بهذا الامر)
(٥) أى بأمر الخلافة فليس لهم أن يعينوا خليفة بدون أمر اللّه تعالى أو ليس لهم أن يعينوا غير من عينه اللّه تعالى فيجاوزون على التقديرين صاحب أمر الخلافة الى غيره و يوجب ذلك بطلان ما هو المطلوب منه.