شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٢ - الحديث التاسع عشر
الدّنيا و مطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم، حتّى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم و ذكرت أني ثبّطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك و ما منعني من مدخلك الذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنّة و لا قلّة بصيرة بحجّة و لكنّ اللّه تبارك و تعالى خلق النّاس أمشاجا و غرائب و غرائز، فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما ما العترف في بدنك و ما الصهلج في الانسان، ثمّ اكتب إليّ بخبر ذلك و أنا متقدّم إليك احذّرك معصية الخليفة و أحثّك على برّه و طاعته و أن تطلب لنفسك أمانا قبل أن
فى دفتر أعمالهم، مودعة فى أعضائهم تؤديها عند الطلب كما قال سبحانه. «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ».
قوله (و لم يدع حرص الدنيا)
(١) هذا ظاهر لان الحرص على الدنيا يوجب حبها و الميل إليها و السعى لها و التقحم فى تحصيلها من أى وجه كان و كل ذلك يوجب ترك مطلب الآخرة التى هى ضد الدنيا و ضرتها اذ التعلق بأحد الضدين يوجب قطع التعلق بالآخر و السلوك فى أحد السبيلين المتقابلين يورث البعد من الاخر، و إليه أشار (ع) بقوله: و لم يدع حرص الدنيا و مطالبها لاهلها مطلبا لآخرتهم ثم ان الحرص قد يشتد حتى يجعل مطلب الآخرة كالعلم و العمل و الوعظ و النصيحة و أمثال ذلك ذريعة الى طلب الدنيا و تحصيلها كما هو المشاهد فى كثير من أبناء الزمان، و إليه أشار (ع) بقوله: حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم فى دنياهم نعوذ باللّه من ذلك.
قوله (و ذكرت انى ثبطت الناس عنك)
(٢) ثبطت بتشديد الباء من التثبط و هو المنع و التعويق و الشغل عن الامر.
قوله (و ما منعنى من مدخلك)
(٣) أى ليس المانع من الدخول فيما دخلت ضعف العلم بالسنة، و لا عدم البصيرة بالحجة بل المانع شيء آخر و هو ان اللّه تعالى خلق الانسان على أمشاج مختلفة و صفات مختلفة و طبائع متفاوتة، و الخلق على هذا النحو منعنى من ارتكاب مثل ما ارتكبت لان الاصل و الصفة و الطبيعة منى مانعة عن مثل هذا.
قوله (ما العترف فى بدنك و ما الصهلج فى الانسان)
(٤) كان الصهلج عرق و العترف داء عظيم خبيث يحرك صاحبه فيما لا ينبغى، و الغرض من هذا السؤال هو التنبيه على أن الجاهل بشيء ما لا يكون إماما أبدا.
قوله (احذرك معصية الخليفة)
(٥) الظاهر أنه أراد بالخليفة هارون العباسى و انما حذره عن معصيته لعلمه بأنه لا يقدر على مقاومته مع خوف الضرر و الهلاك فى مخالفته، و لا يجوز التعرض لذلك عقلا و شرعا لا لانه حق و متابعته واجبة من حيث أنه خليفة، و يحتمل أن يراد بالخليفة نفسه (ع) على سبيل التورية لانه الخليفة فى الواقع.