دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٥٢ - في البراءة العقلية
استدلّ على اعتباره بالإجماع و بالعقل، فإنه لا مجال لها بدونه، حيث يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات، بحيث لو تفحص عنه لظفر به.
و لا يخفى أن الإجماع هاهنا غير حاصل، و نقله لوهنه بلا طائل، فإن تحصيله لو التفت إليها صار شكه فيها فعليا لا أثر له لعدم كون الشك التقديري بموضوع في شيء من الاصول العملية.
و فيه أن فرض الانحلال بدعوى عدم الالتفات إلى سائر الوقائع حين إجراء أصالة البراءة في شبهة حكمية لا يمكن المساعدة عليها، فإنه و إن فرض كون سائر الوقائع من المجتهد مغفولا عنها في مقام ملاحظة واقعة يشك في التكليف فيها، لكن مع ملاحظة سائر الوقائع و الابتلاء بها تدريجيا في البحث عن أحكامها يكون الأصل الجاري فيها معارضا بالأصل الجاري النافي الذي أجراه في مسألة سابقة، و هذا نظير ما إذا لاقى شيء أحد أطراف العلم بالنجاسة و حكم للملاقي بالكسر بالطهارة بأصالة الطهارة، و بعد زمان لاقى شيء آخر سائر الأطراف فإنه مع بقاء الملاقي الأول تكون أصالة الطهارة الجارية فيه معارضة بأصالة الطهارة في الملاقى الآخر، نعم إذا لم يبق الملاقى الأول و لم يكن لطهارته و نجاسته سابقا أثر شرعي فعلا، فيمكن الرجوع في الملاقى الآخر بأصالة الطهارة، و بهذا أمكن الجواب عما يمكن أن يقال: إنه كيف يجوز للمكلف الرجوع إلى الاصول النافية للتكليف أو الوضع الملزوم له في الشبهات الموضوعية مع أنه قد يحصل له بعد برهة من الزمان من الابتلاء بالشبهات الموضوعية أن التكليف كان في بعضها واقعا، و وجه ظهور الجواب أنه لا يكون أثر لهذا العلم الإجمالي بالاضافة إلى الوقائع السابقة فعلا بخلاف الواقعة المشكوكة التي ابتلى بها فعلا فيجرى فيها الأصل النافي و أما الوقائع الكلية التي يفتي فيها المجتهد بالوظائف الفعلية، فلكون فتواها بنحو القضية