دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٤٠ - في قاعدة الميسور
و قوله: الميسور لا يسقط بالمعسور [١] و قوله: ما لا يدرك كله لا يترك كله [٢] و دلالة الأول مبنية على كون كلمة (من) تبعيضية، لا بيانية، و لا بمعنى الباء، و ظهورها في التبعيض و إن كان مما لا يكاد يخفى، إلّا أن كونه بحسب الأجزاء غير واضح، لاحتمال أن يكون بلحاظ الأفراد، و لو سلم فلا محيص عن أنه- هاهنا- بهذا اللحاظ يراد، حيث ورد جوابا عن السؤال عن تكرار الحجّ بعد أمره به، فقد روي أنه خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: (إن اللّه كتب عليكم الحجّ، فقام عكاشة أمرتكم بشيء فخذوا به ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» و لفظة (ما) بحسب هذا النقل زمانية فيكون مدلولها كون المكلف مأخوذا بالأمر بالشيء زمان تمكّنه منه، و مع الإغماض عن ذلك و سندها لا دلالة لها على قاعدة الميسور، لا لأن لفظة (من) بمعنى الباء أو بيانية كما قيل، فإن ظهورها حيث ما تطلق في كونها تبعيضية مما لا ينكر، و لكن يقال كون التبعيض بحسب الأجزاء غير ظاهر، بل الظاهر بمناسبة المورد كونه بحسب الأفراد، فمدلولها أن الحكم الثابت للعام و الطبيعي لا يسقط بعدم التمكن من سائر الأفراد، بل يبقى مع التمكن في بعض أفراده بحاله، و هذا الميسور، و لكن لا يخفى كما أن التبعيض بحسب الأجزاء لا يناسب مورد الخبر كذلك التبعيض بحسب الأفراد، فإنه لا يجب الحج إلّا مرة واحدة حتى فيما إذا كان المكلف مستطيعا في السنوات المتوالية، بل الظاهر من الخبر على تقدير صحته كون المراد بالاستطاعة ما يتحمله نوع الناس كلفة التكليف بنحو لا يكون شاقا لنوعهم بقرينة قوله «و لو قلت نعم لوجب»، و «ما استطعتم» فإنه لو كان بمعنى العجز فكيف يجب على مكلف يعجز عن الإتيان بمتعلق التكليف.
[١] عوالى اللآلي ٤: ٥٨.
[٢] عوالى اللآلي ٤: ٥٨.