القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩١ - امّا المقام الأوّل العقل يدرك الحسن و القبح
و من جملة الثمرات اعتبار الظنون الغير المعتبرة فى صورة دوران الامر بين المحذورين كما فى صورة تعارض الخبرين الدال احدهما على الوجوب و الاخر على الحرمة المتكافئين من جميع المرجحات المعتبرة و كان احدهما معتضدا بالظن القياسى او الشهرة على فرض عدم الحجيّة او غير ذلك من الاسباب الغير المعتبرة و كما فى صورة اشتباه القبلة مع عدم امكان الاتيان الى اكثر من جهة و كان احد الاطراف مظنونا بالظن الغير المعتبر و كذا غير ذلك من المقامات فان العاقلة حاكمة ح بوجوب الاخذ بالراجح اذ التخيير بين الراجح و المرجوح قبيح عند العقل و من اختار المرجوح من باب التخيير يكون عنده مذموما قطعا فان قلت ان ذلك من باب قاعدة الاشتغال و الاستصحاب و قد ورد النصّ على اعتبارها فلا يكون مما لم يرد النصّ على اعتبارها قلت المسئلة اصولية و الظن فيها ليس بحجّة و معلوم ان النصّ فيها على فرض دلالته من اخبار الاحاد فالمناط فى اعتبارها هو القوة العاقلة و من جملة الثمرات التخيير بين المتساويين فى صورة دوران الامر بين المحذورين و فيه نظر لان هذا انما هو من جهة التكليف بما لا يطاق و قد عرفت انه منفىّ بالادلته الشّرعية و من جملة الثمرات التسامح فى ادلّة السّنن على فرض عدم تماميّة الاخبار الواردة اما من جهة ضعف السّند او قصور الدلالة او كون المسئلة اصولية و الظن فيها ليس بحجّة و من جملة الثمرات كون الكفار الغير المقصّرين القاصرين مكلفين بما يستقل فيه عقولهم من الاحكام الفرعية على القول بكونهم مكلفين بالفروع لان المانع من تكليف القاصرين من الكفار على القول بكون الكفار مكلفين هو عدم البيان و لا ريب انه مفقود فيما يستقل بحكمه العقل و اما المقصرون فهم مكلفون بغير ما يستقل به العقل ايض و من جملة الثمرات كون المسلمين الغير المقصّرين الذين لم يصل اليهم ان الظلم حرام ورد الوديعة واجب و نحوهما ذلك مكلفين بما يستقل به عقولهم و من جملة الثمرات كون اهل الفترة مكلفين بما يستقل به عقولهم و الفترة عبارة عن الزمان الذى هو واسطة بين الرايسين و المراد به هنا هو الزمان المتخلل بين النبيّين و انت خبير بان هذا الكلام على مذهبنا الامامية لا يخ عن الاشكال فانه لا يجوز خلوا الزمان عن الحجة عندنا فلا يمكن تحقق الفترة عندنا و لئن سلّمنا ذلك لا نم تحقق ارتفاع الشّريعة من البين بل شريعة كل نبىّ باق الى نبى اخر و من جملة الثمرات كون المسلمين الذين وصل اليهم اغلب الاحكام الشّرعية مكلفين بما يستقل به عقولهم غير ما وصل اليهم و ذلك بان لا يمكن لهم الوصول الى المخبر عن الحكم الالهى فى واقعة مخصوصة و قد مثل لذلك بما لو اضطر الانسان الى التخلى فى مكان لا ينفك عن استقبال القبلة و استدبارها فانه يجب عليه الاستدبار ح لحكم القوة العاقلة بكون الاستدبار اقل قبحا بناء على حجية العقل و الا فهو مخير ح بين الامرين و لا يتعيّن عليه احدهما و قد يناقش فيه اولا بانّ هذا ليس مما يستقل بحكمه العقل بل حكم العقل فيه تبعىّ لانه لا شك انّ حكمه باقبحيّة الاستقبال انما هو بعد ملاحظة نهى الشارع تعظيما للقبلة فانه قبل ورود النهى عن احدهما لا يحكم بذلك قطعا و تانيا بان ادراك اقبحية الاستقبال مم بل هما متساويان عند العقل و انت خبير بان امثلة ذلك كثيرة يطلع عليها المكلف فى المواقع التى يتفق له و من جملة الثمرات حجية اصالة البرائة و اصالة الاشتغال و اصالة الاباحة و من جملة الثمرات ايض انّه يلزم القائل بعدم حجيّة العقل العمل بخبر الواحد الدال على خلاف مقتضى حكم العقل اذ هو دليل بلا معارض فيجب الاخذ به بخلاف القائل بحجيّة فانه يلزمه طرح هذا الخبر على فرض بقاء حكم العقل بحاله بعد ملاحظة الخبر ايض فتدبر فظهر مما ذكرنا ان القول بنفى الثمرة او بقلتها كلام لا وجه له و التمسّك ينفى الثمرة و عدم حجيّة العقل المستقل بان التكليف فيما يستقل به العقل لطف و العقاب بدون اللطف قبيح كلام لا وجه له اما او لا فلان كلية الكبرى مم اذ كثير من الالطاف مستحبّ و ليس بواجب و معلوم ان التكليف فيما يستقل به العقل من قبيل الثانى لانه لا يلزم على تركه محذور بل هو تاكيد و تعاضد و هو مستحبّ بلا اشكال اما ثانيا على فرض تسليم كون هذا اللطف واجبا نمنع كونه من الالطاف التى وجوبها تنجيزى كبعث الرسول (ص) فى زمانه و القائم (ع) فى زمانه بل هو من الالطاف
التى وجوبها تعليقى موقوف على عدم المانع كظهور القائم (ع) فى هذه الازمنة و تصرّفه فانه موقوف على عدم المانع فكذا التكليف فيما يستقل به العقل لطف وجوبه معلّق على عدم المانع و هو من جانبنا موجود فتدبّر و اما ثالثا فلان الحاكم بوجوب اللطف ليس الا العقل و انت منكر لاعتباره فلا يجوز لك التمسّك به فى نفى اعتباره و يمكن ان يجاب عن هذا بان المنكر لاعتباره لا يمنع من اعتباره فى هذه الموارد بل انما يمنع من اعتباره فى الاحكام العملية او نقول ان هذا الزام على القائل باعتبار العقل و اما رابعا فلانا سلمنا وجوب هذا اللطف و لزوم التكليف فيما يستقل به العقل و لكن نمنع انتفاء الثمرة اذ بديهى انه لا يلزم ايصال التكليف بالنّسبة الى كل احد فيوجد الثمرة بالنّسبة الى من لم يصل اليه التكليف فيما يستقل فيه عقله اذا تمهّد هذه المقدّمة فلنرجع الى بيان المقامات
[فيه مقامات]
امّا المقام الأوّل [العقل يدرك الحسن و القبح]
فالمختار فيه هو مختار الفرقة الناجية و الطايفة المحقة من ان العقل يدرك الحسن و القبح فى الافعال الذين يكونان ملزومين للمدح و الذم و الظ ان اصحابنا كلهم متفقون على ادراك العقل الحسن و القبح بهذا المعنى حتى الاخباريّين و لنا على ذلك وجوه من الادلة الوجه الاول هو الذى يطمئنّ به النفس و ان لم يكن الزاميّا و هو الضّرورة و البداهة فانه ضرورى عند جميع المليّين بل العقلاء و ان لم يكونوا متديّنين ان بعض الافعال بحيث يستحق فاعله المدح و بعض الافعال بحيث يستحق تاركه المدح ان كان ناشيا عن كف النّفس و قد يكون الاول بحيث يستحق تاركه الذم فيكون واجبا عقليا و قد لا يكون كك فيكون مندوبا عقليا و قد يكون الثانى بحيث يستحق فاعله الذم فيكون حراما عقليّا و قد لا يكون كك مع ذلك فيكون مكروها عقليا فان القوة العاقلة حاكمة حكما ضروريّا باستحقاق العبد القوى غاية القوة و الغنى غاية الغناء غير المحتاج الى الظلم الذم عند كل عاقل سيّما الحكيم على الاطلاق بسبب اخذه مال العبد الفقير المحتاج غاية الاحتياج بحيث يكون ذلك المال قوتا لنفسه و لعياله من دون جهة وداع و هذا مما لا يقبل الانكار و المنكر مكابر جدا و كذا يحكم باستحقاق الودعى الذى ائتمنه يتيم من الايتام الغنى غير المحتاج الى شئ بعدم رده الى ذلك اليتيم المحتاج و الفقير غاية الفقر و الاحتياج فان قلت