القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٨٩ - قاعدة القول فى الادلة العقلية
البرائة و الاحتياط و مواضع جريانها و الثّامن فى بيان حجيّة الاستصحاب و ذكر اقسامه و قبل الخوض فى بيان المقامات لا بد من تمهيد مقدّمة يوجب البصيرة فى بعض المقامات خصوصا الاول و هى مشتملة على بيان امور اربعة الاول فى بيان اطلاقات الحسن و القبح و هى على ما وجدناها خمس الاول الحسن ما يكون فيه مصلحة و القبيح ما يقابله و قد يعتبر الاول بما يوافق الغرض و الثانى بما يخالفه و لا ريب انهما بهذا المعنى اضافيان فقتل زيد حسن لاعدائه لكونه موافقا لغرضهم و قبيح لاوليائه لكونه مخالفا لغرضهم و الثانى الحسن ما يلايم الطبع و القبيح ما ينافره فالمرئة الحسنة الجميلة حسنة لكونها ملايمة للطباع و المراة الكريهة المنظر قبيحة لكونها منافرة للطباع و شرب الادوية قبيح لكونه مخالفا للطباع و اكل الرّمان حسن لكونه ملايما للطباع و ان كان الاول حسنا بالمعنى الاول و الثانى قبيحا و الثالث الحسن ما هو صفة كمال و القبيح ما هو صفة نقص كالعلم و الجهل و الرابع الحسن ما يكون فاعله ممدوحا و مثابا و تاركه مذموما و معاقبا و القبح ما يكون فاعله مذموما و معاقبا و تاركه ممدوحا و مثابا و الخامس الحسن ما لا جرح فى فعله و القبيح ما فى فعله جرح فعلى هذا فالمباح حسن و كذا المكروه ان كان المراد بنفى الجرح هو نفى الجرح المترتب على الحرام و الا فالمكروه قبيح كالحرام و الاطلاق الرابع يشمل الواجب و الحرام بهذين التعريفين و قد يحذف القيد الثانى فى تعريف الحسن و قيد الاول فى تعريف القبح فيشمل الاول المستحبّ ايض و الثانى المكروه و الظ من القائلين بكون الحسن و القبح عقليّين القول بادراك العقل الاحكام الاربعة التى هى غير المباح و امثلته موجودة و سياتى بيانها انش تع و اما المباح العقلى الذى هو واسطة بين الحسن و القبح العقلى فلم يظهر منهم ان العقل يدرك العلة التامة للاباحة الواقعية و سيجئ بيان ذلك انش فى مقامه الثانى فى بيان الموضوع له لهما من بين هذه المعانى فنقول لا شك و لا ريب فى كونهما مجازين فى المعنى الخامس لتبادر غيره فانه لا شك فى ان المتبادر من الحسن غير ما لا حرج و لا منع فى فعله و من القبيح غير ما فيه منع و فى نظرى ان هذا الكلام فى الاول صحيح دون الثانى لمنع تبادر الغير فى القبيح و لعدم صحّة السّلب عما فى فعله حرج و منع و يدل على كون الحسن مجازا فى هذا المعنى ايض صحة سلبه عن المباح و لو كان حقيقة فى الاعم لما جاز ذلك ا لا ترى انه لا يصّح ان يق زيد ليس بانسان و كل منهما حقيقة فى كل واحد من المعانى الباقية لعدم صحّة السّلب فى الجميع و الظّ كونه مشتركا معنويّا لا لفظيا اما او لا فلاصالة عدم الوضع و هذا الاصل جار و ان لم نعلم بوجود القدر المشترك اذ عدم العلم على فرض التسليم لا يستلزم العدم فى الواقع كما هو واضح فتدبر و اما ثانيا فلان القدر المشترك هو المتبادر و المفهوم فان المستفاد من لفظ الحسن هو المرغوب اليه و من لفظ القبيح هو المرغوب عنه و اما ثالثا فلصحة سلب خصوصيّة كل معنى من المعانى المذكورة عن الحسن و القبيح فانه لا شك فى انه يصح ان يق صفة الكمال ليست نفس الحسن و صفة النقص ليست نفس القبيح و ما ترى من عدم صحّة السّلب فى الجميع انما هو بواسطة كون كلّ منها فردا من الكلى كما لا يصحّ ان يق زيد ليس بانسان و ان صح ان يق انه ليس نفس الانسان فتدبّر و الثالث فى تحرير محل النزاع لا يخفى عليك ان المعانى الثلثة الاولى لم تكن محلا للنزاع فى انها مدركة بالعقل قطعا و قد صرّح بما ذكر بعض المحققين و الوجه واضح فان انكار ذلك لا يجوز صدوره من المجنون فكيف عن العاقل و وجه اطلاق كلام المتقدّمين و جعل الحسن و القبيح على سبيل الاطلاق محلا للنزاع ظهور ذلك عندهم و وجه نعرض بعض المتاخرين لبيان محل النزاع ان بعض المتاخرين من الاشاعرة تصدى لبيان الجواب عن بعض الادلة التى تمسّك بها الخصم كتمسّكهم ببداهة كون العدل حسنا و لظلم قبيحا يخلط بعض المعانى ببعض اخر فان العدل حسن بمعنى كونه صفة كمال او موافق للغرض و الظلم قبيح بمعنى كونه صفة نقص او مخالف للغرض و هذا لا يكون محلا للنزاع و لا ينفع المستدل اصلا فالتزموا تحرير محلّ النزاع لئلا يشتبه الامر
و كيف ما كان عدم كون هذه المعانى محلّا للنزاع ليس محلا للتامل و ان نقل عن ظ بعض انه نسب الى الاشاعرة انكار الحسن بمعنى صفة الكمال ايض و كذا القبيح فى مقابله فمحل النزاع هو المعنى الرابع و كذا الخامس محل للنزاع فانه لا شك فى ان ادراك العقل بان هذا لا حرج فى فعله بحسب الواقع و لا يستحق بفعله العقاب او ان فى فعل هذا جرح بمعنى ان فاعله مذموم و مستحق للعقاب محل للنزاع بل هذا عين المعنى الرابع و التفاوت ان ما لا جرح فى فعله اعم من الحسن بالمعنى الرابع و قد عرفت سابقا انّ النافين نافون فى المقام الاول للسّلب الكلى و المثبتون مثبتون فى مقابلهم للايجاب الجزئى و كذا المقام الثانى و اما الثالث و الرابع فالظ ان المثبت مثبت للكلية و كذا النافى ناف للكلية ثم انه يحتمل ان يكون الاشعرى سالبا للكلية و للمجموع المركب اعنى الاستحقاق للمدح و الذم و الثواب و العقاب جميعا و الامامية و المعتزلة مثبتين للكلية فى مقابلهم فح لا يحتاج الى المقام الثانى فى مقابلهم و يحتمل ان يكون الاشعرى نافيا للكلية و المعتزلة مثبتا للجزئية فى مقابل السّلب الكلى فلا نحتاج الى المقام الثانى بعد اثبات المقام الاول فى مقابلهم و يحتمل ان يكون العكس بمعنى ان يكون الاشعرى نافيا للكل و المعتزلة و الامامية مثبتين للكلية فلا نحتاج الى المقام الاول فى مقابلهم لعدم كونه محلا للنزاع و هذا الاحتمال الاخير هو صريح المنقول عن بعض الاشاعرة كالزركشى فانه قال المدح و الذم عقليان و الثواب و العقاب شرعيان و يحتمل ان يكون هذا هو مذهب الاشاعرة جميعا و بكون تصريح الزركشى كاشفا عن مدّعاهم و ربّما ادّعى ظهور هذا الاحتمال و انت خبير باختلاف كلام القوم فى تحرير محل النزاع فربما يظهر من بعضهم ان النزاع فى ادراك العقل استحقاق المدح و الذمّ من دون ضمّ الثواب و العقاب اليهما و يظهر من بعضهم ان المركب هو محل النزاع و كيف ما كان فالظ فى نظرى القاصران الاشاعرة منكرون للكلية اما بناء على كون محلّ النزاع هو مجرّد المدح و الذم فظ و اما بناء على كون محل النزاع هو المركب فلان الظ من المثبتين و النافين للمدح و الذم هو الملازمة بين المعنيين و الثواب و العقاب فالمثبت للاوّلين مثبت للاخرين و النافى لهما ناف و لذا اكتفى بعضهم فى تحرير محل النزاع بمجرد ذكر المعنيين الاولين و بعضهم ضمّ الاخيرين الى الاوّلين نظرا الى ما يزعمونهم من الملازمة و بالجملة النزاع فى الحقيقة فى المعنيين