القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٦٢ - خاتمة فى تعارض الظن الاصولى مع الفروعى
من باب الاحتياط و ان الاحتياط حسن و دفع الضرر المحتمل واجب و لا ضير فيه و هذا غير حجيّة الخبر من باب التعبّد فتدبّر السّادس ان الظاهر من الانذار فى الاية الشّريفة هو الافتاء لا الاخبار لكونه اغلب من الاخبار فى كل ازمنة و لان الغالب ان الانذار و التخويف انّما هو من المفتين لا من المخبرين فان قلت ما ذكرته من غلبة الافتاء يلزم ان يكون اغلب الناس مجتهدين و مفتيين و لا ريب ان المفتيين فى كل زمان قليل نعم هو غالب ان اعتبرنا صدوره ممن لم يكن منصبا له قلت الاجتهاد فى زمان المعصوم و العلم بالحكم فى زمانه فى غاية السّهولة كما هو ظاهر فتأمل السّابع ان هذه الاية معارضة بمنطوق التعليل فى اية النباء و هو ان تصيبوا الى اخر الاية و النسبة بينهما عموم و خصوص مطلق فان التعليل يقول بعدم اعتبار كل ما لا يفيد العلم من الافتاء و الاخبار عدلا كان او فاسقا و هذه الاية تدل على اعتبار الخبر سواء كان من العادل او الفاسق و سواء كان مفيدا للعلم ام لا فعلى هذا لا يجوز العمل بالخبر الواحد لوجوب عمل العام على الخاص فان قلت النسبة بينهما عموم من وجه لشمول التعليل للاحكام و الموضوعات و اختصاص هذه الاية بالاحكام قلت نحن نتكلم على اعتقاد المستدلّ فان اعتقاده ان الخبر فى الموضوعات كالاحكام حجّة بمقتضى الايتين و ان لم نقل بحجيّة كلّ خبر بل نقول بحجيّة خبر العدل او اعمّ منه و من الحسن و الموثق سلمنا ان النّسبة بينهما عموم من وجه اما بواسطة شمول التعليل للموضوعات و اما بملاحظة شموله لغير الخبر و اما بملاحظة غير ذلك و لكن نقول ان الاستدلال به ايض غير جايز لان القاعدة فى العامين من وجه هو التوقف ان لم يكن مرجّح و ما نحن فيه منه و الثامن ان الظ من الاية الشريفة هو اعتبار قول المنذرين فى صورة افادة العلم لان الاية الشريفة و ان لم يكن من قبيل الخطابات الشفاهية فى اختصاص الخطابات بهم و عدم شمولها للغائبين و لكن يوجّه الكلام اليهم و لا يكون من قبيل تصنيف المصنّفين فما يفهم فى زمانهم و ما يفهمونه فهو معتبر و لا ريب ان ما يفهم فى زمانهم هو اعتبار انذار المنذر فى صورة افادته العلم بملاحظة ان المنذرين فى زمان النبىّ (ص) و ما قاربه لا يكون اخبارهم و انذارهم الا عن علم لقربهم بالمعصومين و انفتاح باب العلم لهم و ان الطايفة المنذرين لا يكون كل طايفة بل طايفة لهم فطانة و زكاوة لم يكن مثلهم فى الادراك و بملاحظة ان المتعارف انه اذا قال سيّد لعبده فاذهبوا الى البلاد الفلانى فاخبروهم بهذه الاخبار ان كل واحد من هؤلاء المنذرين ينذرون جميع اهل البلد و ان صدق انذار كل واحد من المنذرين القوم على سبيل التبعيض بان انذار بعضهم بعضا فاذا ثبت ان المتعارف هذا فلا يجوز للمستدلّ الاستدلال بهذه الاية الشريفة و ان سلمنا عدم اخبار كل من المنذرين جميع اهل البلد و لكن المتعارف اشتهار اخبارهم لاخبار اهل البلد بعضهم بعضا فيحصل لهم العلم لكثرة المخبرين و لاخبارهم عن علم و لكونهم ارباب الفطانة فلا يستفاد من الاية الشريفة حجية اخبار الاحاد و يرد هنا جملة من الايرادات على الاستدلال بالاية الاولى كالثالث و الثامن و تاليه و السادس عشر و الثّالث قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ وجه الدلالة انه تع اوجب اظهار المنزل من البيّنات و الهدى و المراد بالبيّنات هو الشواهد و الدلايل الجلية و لا ريب ان احكام الشرعية كلها من البيّنات و الهدى فيجب على من انزل اليه هذه الاحكام اظهارها لغيرهم بواسطة الاية فان الحكم بكون من يكتم ملعونا عند اللّه و ملعونا عند اللاعنين يكشف عن كون الاظهار واجبا و بعيد انّه يجب عليهم الاظهار و لا يجب على غيرهم القبول فاذا ثبت عليهم القبول ثبت حجيّة الخبر الواحد و يرد عليه الاعتراض من وجوه الاول ان الاية وردت فى مورد خاصّ و هو انه تعالى وصف نبيّنا فى كل من الكتب السّماويّة فلما كان اهل الكتاب يكتمون هذه الاوصاف الجميلة وردت الاية الشريفة فى ذمّهم فالاحكام الشّرعية و ان كانت من البيّنات و الهدى و لكن لا تشتمله البيّنات و الهدى فى الاية فكلمة ما و ان كانت مفيدة للعموم و لكن لا تفيده هنا لكونها للعهد فيكون عمومه هنا من قبيل تحصيل العموم بالمورد كما مر بيانه فى
حديث خذ بما اشتهر مع انا نقول البيّنات عبارة عن الشواهد و الدلائل و الهدى عطف تفسيرى له فلا تشتمل الفروع لعدم كونها شواهد و دلائل فتأمل و الثانى ان كلمة ما لها استعمالات خمسة اولها الموصوفة و ثانيها الموصولة و ثالثها المصدريّة و رابعها النافية و خامسها الزايدة و لا معنى للاخيرين هنا قطعا و الثالث و ان كان بحسب المعنى صحيحا لانه يصير المعنى هكذا و الذين يكتمون انزال اللّه و لكنه بعيد فى الغاية فدار الامر بين الاولين فان كانت موصوفة فالاستدلال به صحيح لكونها نكرة فى سياق النفى بحسب المعنى لأن معنى الكتمان هو عدم الاظهار فيفيد العموم و اما ان كانت موصولة فلا يصحّ الاستدلال لان المنقول عن المعاينين كافة ان النفى الوارد على العموم يفيد نفى العموم و سلبه لا عموم السّلب و لا يفرقون بين افراد النفى من لفظه او معناه و لا ريب انّ ماء الموصولة للعموم فيكون النفى الوارد عليه نفيا للعموم و لا ريب فى انه على هذا الفرض لا ينفع المستدلّ لان غاية ما ثبت من ذلك لا يجوز كتمان جميع ما انزل اللّه و يجب اظهار بعضها فان قلت اذا وجب اظهار البعض و قبوله فيتم الباقى بالاجماع المركّب قلت هذا كلام لا وجه له لان القدر المتيقن فى البين موجود و هو الافتاء فانه لا شك فى وجوبه و قبوله و لا ريب فى انّ الظ من كلمة ما هو الموصولة سواء كانت حقيقة فيها و مجازا فى غيرها او مشتركا بينها و بين الموصوفة فلا بد من حملها عليها سلّمنا عدم كونها ظاهرة فيها و لكن لا يصحّ الاستدلال ايضا لكونها مجملة لكونها مشتركة و لكن لا يخفى عليك انه على هذا الفرض ايض يفهم منها عموم السّلب لا سلب العموم كما فى لا تكرم العلماء و ما ذكره المعانيون و اجروا فيه هذه القاعدة انما هو لفظة كل لا غيرها و على فرض تصريحهم فى غيرها ايض لا يوجب رفع اليد عما هو المتبادر اما لعدم اعتبار قولهم او لتعارضه مع التبادر و مرجوحيّته بالنّسبة الى التبادر فان قلت لا تعارض بين قولهم و التبادر لان الاوّل مثبت للمعنى اللغوى و الثانى للعرفى قلت عدم التغاير فى امثال هذه الموارد معلوم كما لا يخفى و الثالث ان الظ من الكتمان هو عدم الاظهار فى معرض الاظهار كما لو سئل عنه فلم يجب و بعبارة اخرى هو عبارة عن عدم الاعتراف و وجوب الاظهار عند السّؤال لا يوجب وجوب القبول و ان سلمنا ان وجوب الاظهار كما لو سئل عنه على سبيل الاطلاق يستلزم ذلك لان فايدة الايجاب ح هو عدم ردّ السّائل و كسر قلبه و الرابع انه ان ما ذكرته من وجوب الاظهار وجوب القبول مم و الفايدة