القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٤٣ - تنبيه وقوع التعارض و صورها
لان الاهمّ هنا عبارة عن الذى ثوابه اكثر و العقاب على تركه اشد و لا يمكن لنا العلم بذلك قلت قد يعلم ذلك بوصوله من الشرع فيجب تقديم الاهم و قد يحتمل ذلك فى احدهما دون الاخر فيجب تقديمه ايض من باب الاحتياط و ان لم يحتمل ذلك فى احدهما او يحتمل فيهما معا فلا ترجيح من هذه الجهة و يجب الرجوع الى المرجحات الاخر و لا ريب ان ما نحن فيه من هذا القبيل او الظنّ بحرمة العمل بالظن و الظنّ بوجوب شئ او حرمة كلاهما اخرويان و لا ريب انه ان لم ندع تقديم الظن بحرمة العمل بالمظنة فلا اقل من التوقف و اما القسم الثالث منه اى صورة كون احد الضّررين دنيويا و الاخر اخرويّا فهل يجوز اجتماعهما قطعا ام لا مرجع هذا الى جواز التكليف بما يضرّ العبد و ذلك كما لو صار محتاجا الى الجماع بحيث لو تركه يهلك قطعا و انحصر الموطوئة فى زوجة الغير او فى امّه و اخواته او فى الغلام او كان له مرض يحكم له الاطباء بكون الخمر رافعا له و الا يهلكه قطعا و الظ من كلام الاصحاب عدم جواز مثل هذا التكليف و لذا عللوا الافطار فى الصوم بانّ حفظ النفس واجب و يجب الافطار بمجرّد الظنّ بالضرر و لذا جوّزوا شرب الخمر للمريض و هكذا و امثال ذلك فى الفقه كثير و قد يشكل بان ذلك موقوف على كون قبح اضرار العبد ذاتيا بحيث لا يتخلف فى حال من الاحوال و لا يمكن ان يوجد فيه مصلحة توجب الامر به اصلا و ذلك بط لان نرى وقوع الامر بذلك كما فى الجهاد فان المكلّف عالم بانه يقتل و مع ذلك لا يجوز له ترك الجهاد و ان كان موقوفا عليه و كما فى واقعة مولانا ابى عبد اللّه فانه (ع) عالم بما وقع عليه و مع ذلك لا يجوز له (ع) و لا لاصحابه ترك الجهاد فاذا لم يكن قبح هذا ذاتيا بحيث لا يتخلف و يجوز كونه مامورا به لعروض مصلحة له كما يكشف عنها امر السيّد به فى بعض المقامات يقينا فكيف يجوز لك ان يحكم بمجرّد القطع او الظنّ باضرار العبد و اهلاكه بتحليل بعض المحرّمات التى يندفع بارتكابها الاهلاك و الاضرار مع شمول الادلة الدالة على التحريم لهذا الموضع فمع ما عرفت من عدم كون قبح اضرار العبد و اهلاكه ذاتيا بحيث لا يمكن صيرورته حسنا كالظلم بل هو كلطم اليتيم قد يصير حسنا لعروض مصلحة له نعم هو من دون عروض عارضة قبيح و لا يجوز الامر به نقطع او نظن بكون كل من المحرمات حراما ح ايض و كون اهلاك العبد مامورا به اذ شمول الادلة المذكورة لهذه الحالة يكشف عن ذلك و الجواب عن هذه الاشكال يظهر بتفصيل الكلام فى المقام فنقول هيهنا مقامات ثلث لا بد من التكلم فيها الاول فى ان قبح اضرار العبد و اهلاكه هل هو ذاتى كالظلم بحيث لا يمكن تخلفه و لا يمكن صيرورته حسنا فى وقت من الاوقات بواسطة عروض مصلحة او لا يكون كك بل هو كلطم اليتيم و الحقّ فيه ما تقدّم من انه من قبيل الثانى لما تقدم و وجه الاحتياج الى بيان هذا المقام واضح اذ على الاول لا يقبل النزاع اذ هو قبيح لا يمكن صيرورته حسنا فلا يمكن ان يكون مامورا به بل هو منهىّ عنه فيجب الاجتناب عنه و على الثانى يقبل النزاع اذ يحتمل ح صيرورته حسنا الثانى فى تعارض الضرر الدّنيوى و الاخروى لا شك و لا ريب فى وجوب التحرز عن الضرر الاخروى اذا كان مقطوعا و ان كان الضّرر الدّنيوى مقطوعا ايض اذ الضرر الدنيوى فى جنب الاخروى كان لم يكن شيئا و العاقلة حاكمة بذلك و بناء العقلاء عليه و كذا اذا كان الضرر الاخروى مظنونا و ان كان الدّنيوى مقطوعا اذ ذلك كما لو قطع بمجروحية انملة من انامله بالابرة فى احد الطريقين و ظن بقتله فى الاخر باشد قتل اذ لا شك فى ان العاقلة حاكمة بوجوب التحرز عن الثانى و بناء العقلاء عليه ايض و من هنا ظهر وجوب التحرز عن الضّرر الاخروى فى الصورتين على التحرّز عن الضرر الدنيوى اذا لم يكن مقطوعا بطريق اولى سواء كان مظنونا او غير مظنون و اما اذا كان الضرر الاخروى مشكوكا او موهوما و كان الضرر الدنيوى مقطوعا او مظنونا فمقتضى القاعدة و ان كان هو تقديم التحرز عن الضرر الاخروى ايض و ارتكاب الدّنيوى و لكن ذلك لكثرته يوجب العسر و الحرج الموجبين لاختلال نظام العالم المنفيين فى الشريعة
قطعا و لذا حكم القوة العاقلة بعدم وجوب التحرز عن الضّرر الاخروى ح بل هى تحكم بوجوب الضرر الدنيوى ح مع ان الاجماع منعقد ايض على عدم وجوب التحرز عن الضرر الاخروى ح بل ادلة اصالة البرائة كلها هنا جارية و الثالث فى بيان تشخيص الصّغريات اعنى بيان ان موارد الشرعية التى يقع فيها التعارض بين الضرر الدنيوى و الاخروى هل هو من قبيل تعارض المقطوع و المظنون الاخروى مع الدنيوى باى قسم كان حتى يقدم فيحكم بعدم جواز شرب الخمر مثلا و ان كان المقطوع اهلاكه بدون شربه او من تعارض المشكوك الاخروى او موهومه مع الدنيوى حتّى يقدم الثانى الحق انه من قبيل الثانى لوجوه ثلثة الاول ان ادلة الدالة على حرمة الاشياء الغير الوطى على سبيل الحرام مثل شرب الخمر او على وجوبها مثل الصوم و ان لم يكن فى حدّ ذاتها منصرفة عن الحالة التى يوجب الامتثال بمقتضاها تحريما كان او وجوبا اهلاك النفس و اضرار العبد بل يكون شاملة لهذه الصورة كشمولها لغيرها بحسب نفس اللفظ و لكن بعد ملاحظة ان المصلحة المقتضية لاضرار العبد خفية نهاية الخفاء بحيث لا يظن بوجودها الا بالتصريح يصير مشككا بالنسبة الى هذه الحالة و غيرها فيكون شمولها لهذه الحالة محلا للشك او يحصل الظنّ بعدم شمولها و كيف كان فالمحل محل لاجراء اصالة البرائة لوقوع الشك فى التكليف فارتكاب العبد ح ما يضر العبد ارتكاب للضرر من دون مصلحة وداع و العاقلة حاكمة بقبحه فح يشرب الخمر و يفطر فى الصوم و هكذا مع ان الاجماع ايض منعقد على عدم جواز ارتكاب الاضرار من دون داع و الثانى ان هذه الادلة بعد ملاحظة الادلة الدالة على نفى العسر و الحرج من الايات الكريمة التى تكون النسبة بينها و بين الادلة الدالة على الوجوب او التحريم تباينا جزئيا يحصل الشك فى التكليف اذ لا مرجح داخلى لاحد العامين من وجه فيحصل الشك فى مورد التعارض فيجب الرجوع الى الاصل فيكون ارتكاب الضرر الدنيوى بلا مقتض و داع و العاقلة تحكم بقبحه كما ذكرنا و كذا الاجماع يدل على عدم جوازه ارتكابه و الثالث ان هذه الادلة معارضة بالاخبار الكثيرة الدالة على نفى العسر و الحرج و على نفى الضرر بالعباد فى هذه الشّريعة و النّسبة بينهما عموم من وجه فالتكليف محل الشك فيكون ارتكاب الضرر الدّنيوى من دون داع و هو غير جايز لما مرّ مع انّ الاية الشريفة وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ دالة على حرمة الاهلاك و الاضرار ح اذ لا شك بعد الشك فى التكليف و حكم الشارع باجراء اصالة البرائة يصدق انه القاء الى التهلكة بيده و قد نفته الاية الشّريفة فلا يبقى مجال للايراد بان الابقاء فى التهلكة لم يكن بيده بل هو بواسطة كونه مكلفا و بواسطة امر الشارع و كذا الايراد بان ارتكاب الضرر الاخروى ايض مهلكة فهى ايض منفية بالاية بل الضرر الدنيوى فى جنبه لم يكن مهلكة لما عرفت من عدم الظنّ او القطع