القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٢٨ - فى تاسيس الاصل التكليفى
هذا الاصل ايض معارض بمثله فانه لا شكّ ان المتكلم يحتاج الى الانقلاب الى الوضع ان استعمل اللفظ فى معناه الحقيقى فت و فى هذا الايراد نظر لان هذا مخالف للاجماع فان بناء العلماء على اجراء الاصل و لانه يلزم ان لا يصح التمسّك باية او حديث على مطلب لجريان هذا الايراد فيه فيلزم سدّ باب فهم التكاليف و هو بط و ايض هذا مخالف لبناء اهل العرف و العادة فانا نرى انّ بنائهم على اجراء اصالة الحقيقة فيما لو سمعوا كلاما و ان لم يكونوا مخاطبين و لا حاضرين عند الخطاب و لا يخفى ما ذكر على المطلع بموارد استعمالاتهم و ثالثا بان الاية منصرفة الى صورة امكان تحصيل العلم و انفتاح بابه و اما فى صورة الانسداد فلا يدلّ الاية على التحريم و ان لم يكن علم اجمالى بالتكليف فى البين حتّى تصير دليلا على العمل بالظن فان قلت اذا ثبت حرمة العمل بالظنّ بالاية فى حالة الانفتاح فيثبت حرمة العمل به فى حالة الانسداد مع فقد الدليل على العمل كما هو المفروض بالاجماع المركّب لانّ من قال بحرمة العمل بالظنّ يقول به مط ما دام لم يدلّ الدليل على اعتباره سواء كان فى حالة الانسداد و الانفتاح قلت فلا يكون الاية دالة بنفسها على حرمة العمل بها مط بل يحتاج فى الدلالة على هذا المطلب التى ضمّ ضميمة و المستدل تمسّك بها من دون ضميمة و باقى الايرادات على الاستدلال بها غير واردة من تخصيصها باصول الدّين و ان المراد بها القذف و رمى الناس بغير كاعلم و هذا الحكم مختصّ بالمشافهين لان الاول و الثانى خلاف الظ و الثالث خلاف الاجماع على اشتراكنا لهم فى جميع الاحكام و الثالثة قوله تع وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* وجه الدلالة انه جعل تع القول عليه تع بما لا يعلم من مامورات الشّيطان فيكون حراما فيكفى هذا فى حرمة العمل بالظن لان الافتاء بانه واجب او حرام بسبب الظنّ بهما قول على اللّه بما لا يعلم فان قلت لا شك و لا ريب ان كلمة على للضرر كما نرى موارد استعمالاتها فى العرف و العادة مع انّ هذا المعنى مصرّح به فى الكتب الادبيّة و لا ريب انه ليس ضرر على اللّه فى الافتاء بالمظنون على وفق ما حصل به الظنّ بل القول بما ليس لايقا بجنابه تع كالقول بانه تع جسم او يامر بالقبيح و ينهى عن الحسن و نحو ذلك قول عليه تع بما لا يعلم فيكون حراما بمقتضى الاية فلا عموم فى الاية و ليس كل قول بما لا يعلم حراما بل مخصوص بما ذكرنا قلت اولا نمنع ان الافتاء بالمظنون على سبيل الحتم ليس قولا على اللّه فان ذلك مستلزم لايقاع عباده فى المهلكة و ثانيا نقول ان الظ من الاية هو العموم و ان سلّمنا ان مقتضى وضع كلمة على على خلاف ذلك فانا نتبع الظواهر دون الاوضاع فان قلت ان غاية ما ثبت هو حرمة الافتاء لانه قول دون العمل فلا يكون عمل المجتهد بمقتضى ظنه حراما قلت نمنع اولا عدم كونه قولا فانه قول فى التقدير بمعنى انه لو سئل منه لم تفعل هذا الفعل يقال لانه امر به تع بل يقال انه قول حقيقة و ثانيا نتم ذلك بالاجماع المركّب فان قلت المجتهد لا يقول انّ حكم اللّه الواقعى هو هذا يقينا بل يقول هو حكم اللّه فى ظنّى و مقتضى الاية حرمة قول ما لم يعلمه عن علم قلت لا ريب ان المجتهد يفتى عن قطع بان حكم اللّه الظاهرى فى حقه و حق مقلّديه هو هذا و اما لو اخبر بان حكم اللّه الواقعى بحسب ظنى هذا فلا كلام لنا فيه و لكن ليس كك بل هو اخبار عن حكم اللّه الظاهرى عن قطع و لا شك انه قول بما لا يعلم و لا يخفى ان هذه الاية كغيرها من الايات منصرفة الى صورة عدم الدليل فالاية تامة فى الدلالة على المطلوب و المناقشة بانه خطاب شفاهىّ مجمل او ان هذا الحكم مختصّ بالمشافهين و الحاضرين او غير ذلك من المناقشات لا وجه له و الرابعة قوله تع وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ وجه الدلالة هو المذمة على اتباع الظنّ و هى دالة على حرمة اتباعه و القول بان المذمة على الحصر لا على اصل العمل بالظن كلام مخالف لظاهر الاية فان الظ ان المذمة على العمل بالظن لا على الحصر مع انه بعيد فى الغاية على ان يكون بناؤهم محصورا على العمل بالظن و منها الاخبار الدالة على حرمة العمل
بالظنّ و هى كثيرة حتى ادّعى تواترها و من جملتها خبر مفضل بن عمر عن الصادق (ع) قال سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول من شك او ظن فاقام على احدهما فقد حبط عمله انّ حجة اللّه هى الحجة الواضحة و منها خبر سليم بن قيس الهلالى عن امير المؤمنين (ع) و من عمى نسى الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الى ان قال و من نجى من ذلك فمن فضل اليقين وجه الدّلالة واضحة و اخصّية بعض هذه الاخبار كخبر على ابن ابى شعبة اذا نظرت فاقض و اذا ظننت فلا تقض و غيره غير مضرّة لعدم القائل بالفصل و لا ريب ان من انضمام هذه الاخبار مع الايات الكثيرة يحصل القطع بحرمة العمل بالظن فلا يرد ان هذه الاخبار اخبار احاد و انت لا تقول بحجيّة الظنّ فى الاصول و كذا الايات لا يفيد الا الظن كما اشرنا اليه و منها العقل فقال بعض بان العقل دال على قبح العمل بالظنّ و لا يخفى عليك ان المراد بحكم العقل ههنا غير ما ذكرنا سابقا من انه يحرم العمل به من باب المقدّمة فان ذلك مما لا خلاف فيه و انما الخلاف فى انه هل هو قبيح بالذات و المراد بالذات هنا اعم من الوجوه و الاعتبار بل المراد به ان لا يكون القبح من باب المقدّمة اى لا يكون قبحا عارضيّا بل مقدمة الحرام فى الحقيقة لا يكون قبيحا و كيف ما كان الحق انه لا دلالة للعقل على حرمة العمل به لاجل نفسه و قبح ذاته فانه لا يدرك العقل فيه قبح و لذا قالوا بجواز التعبّد به عقلا و لا يخالف فى ذلك احد الا ابن قبه كما هو المنقول و لو كان قبيحا عقلا لما كان التعبد به جايزا اذ الامر بالقبح قبيح محرّم و العجب من بعض الفضلاء انه قال بكون الظن قبيحا بالذات و اجاب عن ورود الامر به فى بعض المقامات ان الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات لان هذا بعينه هو قول الاشاعرة بان حسن الاشياء و قبحها انما بامر الشارع و نهيه فت فان قلت ان من مسلمات مذهبنا ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد الكائنة فى نفس الاشياء و ان لها تاثيرا و ان لم يكن المكلف عالما بها و لذا وجب على اللّه من باب اللطف فتح باب التكاليف و اعلام ما هو واجب و حرام برسول معصوم من الخطاء و الكذب حتى اراء الطريق لنا فعلى هذا لا يجوز ان يتعبّدنا اللّه تع فى تحصيلها بشىء يتخلف عن الواقع لان ذلك خلاف اللطف الباعث لفتح باب التكاليف نعم لم يكن ذلك واجبا مط بل هو مشروط بعدم منعهم قلت اقوى دليل على جواز الشىء وقوعه و لا ريب فى وقوع التعبّد به فى الشّريعة كشهادة العدلين و يد المسلم و غير ذلك مما وقع التعبّد به و ليت شعرى ما يقول ابن قبه فى عمل المقلّدين فى زمانه هل كان العمل بالعلم عليهم واجبا ام يجوز لهم العمل بالظن بل يجب عليهم ذلك و لا شك ان الموجود فى زمانه هو الثانى لانه لا شك فى افتائه و تقليدهم له مع انه لا يكون التقليد مفيدا