الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٥٥ - حجّية الدليل العقلي القطعي
و هذه إحدى نقاط الخلاف بين الأصوليّين و الأخباريّين. ففي الوقت الذي يرى الأصولي حجّية الدليل القطعي مطلقاً، يرى الأخباريّ حجّيته فيما إذا كان مستنده شرعيّاً لا عقليّاً.
فإن قيل اعتراضاً على الأخباري: كيف يمكن لك تجريد الدليل العقلي عن الحجّية مع الاعتراف بكونه قطعيّاً، و هل هذا إلّا تفكيك بين اللازم و الملزوم؟ فإنّ ذلك سيكون من قبيل أن تقول: «هذه نار غير حارّة»، إذ تقدّم في مباحث القطع أنّ الحجّية لازم ذاتيّ للقطع و لا يمكن سلبها عنه، مع أنّ ما ذكره الأخباريّ يلزم منه سلب الحجّية عن القطع الطريقي، و الحال أنّها لازم له.
أمكنه الجواب على ذلك بالقول: إنّنا لا ندّعي تجريد القطع الطريقي
عن الحجّية ليشكل علينا بما ذكر، و إنّما نقول أنّ بالإمكان تحويله إلى قطع موضوعيّ ثمّ نفي الحجّية عنه، و هو ما نقوم بتوضيحه من خلال المثال التالي:
لو قال الشارع: «إذا استطعت فيجب عليك الحجّ»، فإنّ من الواضح أنّ قيد الاستطاعة قيد للوجوب المجعول، و إلّا فالجعل متحقّق بنفس إرادة المولى و لحاظه الموضوع المقدّر الوجود كما أشرنا له سابقاً، و من ثمّ يكون وجود هذا القيد محقّقاً للوجوب المجعول كما أنّ انتفاءه يؤدّي إلى انتفائه لأنّ المقيّد عدم عند عدم قيده بالرغم من وجود الجعل و علم المكلّف به.
إنّ هذا النحو من التقييد أمرٌ معقول و لا محذور فيه في الأحكام الشرعيّة، و باتضاحه نأتي إلى محلّ البحث و نقول: إنّ بإمكان الشارع أن يأخذ في موضوع الأحكام الشرعيّة قيداً، و هو: «أن لا يكون العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي» أو: «أن يكون العلم بجعلها من ناحية الكتاب