الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٨٦ - الآية الثالثة
لا عقاب حتّى نبعثَ الرسول.
إن قلت: إنّ الآية وردت في الرسول و إنّ الله تعالى لا يعذّب أحداً من الناس حتّى يرسل إليهم نبيّاً يهديهم، و أين هذا من محلّ كلامنا الذي نريد فيه إثبات البراءة الشرعيّة و قاعدة قبح العقاب بلا بيان؟!
قلت: إنّ الرسول في الآية مثال لمطلق البيان و لم يؤخذ على نحو الموضوعيّة، فكأنّها تريد أن تقول: ليس من شأنه تعالى أن يعاقب أحداً حتّى يبيّن له الحكم و يصدره إليه، و هو عبارة أخرى عن قبح العقاب بلا بيان.
و لكن يلاحظ على الاستدلال بالآية أنّها تدلّ على نفي العذاب عند عدم صدور البيان من الشارع، و ما نريد إثباته هو نفي العذاب عن المكلّف عند عدم وصول التكليف إليه و لو كان صادراً من الشارع، و هو ما لا يمكن لنا إحرازه بالآية؛ إذ يحتمل أن يكون التكليف صادراً من الشارع و لكنّه لم يصلنا بسبب بُعدنا عن عصر النصّ و ضياع كثير من النصوص.
بعبارة أخرى: إنّ الآية تثبت قبح العقاب بلا صدور، و ما نريد إثباته هو قبح العقاب بلا وصول، إذ إنّ مقتضى البراءة الشرعيّة هو التأمين و السعة من ناحية التكليف المشكوك الذي لم يصل فعلًا و إن كان صادراً، و هو ما لا تثبته الآية الكريمة.
الآية الثالثة
قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١].
[١] () الأنعام: ١٤٥.