الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٨ - تحديد مركز اشتراط القدرة في التكليف
الثاني: لحاظه بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك، بمعنى أنّ المولى عند ما يلحظ المصلحة في جعل إيجاب الصلاة في ذمّة المكلّف و يحصل عنده حبّ لها و إرادة في ضوء تلك المصلحة، يعتبرها في ذمّة المكلّف. و معنى اعتباره لها: بعْث المكلّف و تحريكه للإتيان بها. و بهذا اللحاظ لا يكون الاعتبار مجرّد كاشف عن الملاك و الإرادة فحسب، و إنّما هو محرّك و دافع للمكلّف نحو الامتثال.
و واضح أنّ القدرة على الإتيان بالفعل أو الترك شرط في الاعتبار بهذا المعنى؛ لأنّ اعتبار التكليف بداعي البعث و التحريك لا يتمّ إلّا إذا كان
متعلّق التكليف أمراً مقدوراً للمكلّف ليمكنه التحرّك و الانبعاث نحو تحقيقه.
فظهر أنّ الاعتبار إن لوحظ بما هو اعتبار و كاشف عن مبادئ من ملاك و إرادة فلا تعتبر القدرة شرطاً فيه و يعقل تعلّقه بغير المقدور، و إن لوحظ بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك فإنّه يكون مختصّاً بالمقدور.
وعليه، فالسؤال المهمّ هنا هو: إنّ الاعتبار الملحوظ في مقام الثبوت هل هو الاعتبار بالمعنى الأوّل، أم الاعتبار بالمعنى الثاني؟
و الجواب: إنّ الاعتبار الذي يُعدّ عنصراً ثالثاً في مرحلة الثبوت للحكم هو الاعتبار بالمعنى الثاني. توضيح ذلك: أنّنا قد عرفنا أنّ الكاشف عن الملاك و الإرادة هو الاعتبار، و أمّا الكاشف عن الاعتبار فهو الخطاب الشرعيّ، فقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [١] خطابٌ في مقام الإثبات يكشف عن الاعتبار الواقع في مرحلة الثبوت، و هو بدوره يكشف عن الملاك و الإرادة. و لا يخفى أنّ المولى عند ما
[١] () آل عمران: ٩٧.