الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٣١ - النسخ في اعتبار الحكم الإلهي
فمثل: تشريع الله تعالى لحرمة قتال المشركين ثمّ إذنه لهم، و إن كان في ظاهره عدول عن جعل الحكم السابق، إلّا أنّ العدول في حقيقة الأمر عدول بالنسبة لنا و إلّا فهو حاصل تبعاً للعلم السابق لدى المشرّع بأنّ الملاك و بتبعه الإرادة محدّد بوقت، و قد ارتفع لانتهاء أمده، و واضح أنّ النسخ في الاعتبار لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى؛ لأنّ رفع الحكم نشأ تبعاً لعلمه السابق.
إن قلت: إذا كان المولى عالماً منذ البداية بأمد الملاك و الإرادة، و أنّها محدّدات بزمن معيّن فلما ذا جعل المولى الاعتبار مطلقاً؟
قلت: قد يكون ذلك لأجل إشعار المكلّف بهيبة الحكم فيزداد اهتمامه به و حرصه على امتثاله، و مثل هذا جارٍ حتّى في التشريعات البشرية، فإنّ المجالس التشريعيّة لو شرّعت حكماً و علم الإنسان بأنّه محدود بأشهر قليلة ثمّ ينتهي مفعوله، فإنّه سوف يضعف اهتمامه به، و الحال في المقام كذلك.
و أمّا تصوير النسخ بمعناه المجازي في الاعتبار، فبأن يفترض أنّ المولى قد نظر إلى المكلّفين الموجودين في السنة الأولى من الهجرة مثلًا و جعل الحكم على طبيعيّ المكلّف الموجود آنذاك، و بانتهاء السنة الاولى ينتهي أمد الحكم المجعول بلا أن يحدث أيّ تغيير و تبديل و عدول في نفس الجعل؛ لأنّ المفروض أنّه كان مقيّداً بالسنة الأولى من الأساس و قد انتهى زمنه، و هذا معنىً مجازيّ للنسخ لأنّه لا يتضمّن عدولًا و لا تغييراً في الحكم إطلاقاً.
و لا يخفى أنّ الافتراض الأوّل في تصوير النسخ في اعتبار الحكم الإلهي أقرب إلى معنى النسخ؛ ذلك لأنّا عند ما نطالع موارد النسخ في الشريعة
نجد أنّ الحكم فيها مطلق ثمّ ينسخ، و ليس مقيّداً بوقت مخصوص كما ذكر أخيراً في تصوير النسخ بالمعنى المجازي.