التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٠٨ - الأمر الثاني في الخبر الصادر تقيّة و حكم التورية
الكلاميّة صدقا موقوف على صدور كلام مثله من المتكلّم بالأمس، مع نصب القرينة، و من المعلوم بطلانه.
و دعوى أنّ القضية المعقولة أمر مقارن للكلام اللفظي، و مطابق لما أراد المتكلّم ففرق بينها و بين ما ذكرت كما ترى، و ما ذكره الأشاعرة من أنّ الصدق و الكذب في الكلام اللفظي تابعان لهما في الكلام النفسي إنّما هو إذا كان الكلام النفسي مدلولا للكلام اللفظي، لا إذا كان أجنبيا عنه- كما هو المفروض- حيث إنّهم يجعلون الكلام النفسي معنى الكلام اللفظي، و أنت تقول لا يمكن إرادة المعنى البعيد من الكلام اللفظي في المقام، و إلا لم يحتج إلى إثبات الكلام النفسي.
ثمّ لو فرض كفاية صدق القضيّة المعقولة في صدق الكلام اللفظي في المقام فمن المعلوم إمكان تصوير هذه القضيّة، و تسميتها كلاما نفسيّا و عدم تسميتها لا دخل له [١] في صدق هذا الكلام، و إن كان له [٢] دخل في اتّصاف تلك القضيّة بالصدق بناء على أنّه لا يتصف بالصدق و الكذب غير الكلام، لكنّ هذا البناء ممنوع، لأنّا نرى صحّة توصيف الحديث النفسي بالصدق و الكذب، مع عدم كونه كلاما.
ثمّ إنّ الفاضل المذكور اختار أنّ التورية كذب- خلافا للمشهور و وفاقا للمحقق القمي [٣]- قائلا: إنّ الصدق و الكذب تابعان لما يفهم من اللفظ عرفا، و المفروض أنّ العرف يفهم ظاهر اللفظ دون ما قصد.
و أنت خبير بما فيه؛ فإنّ الصدق إذا كان فرع الاستعمال- على ما ذكره- فمن المعلوم أنّ الاستعمال فرع الإرادة من اللفظ، و المفروض أنّ ظاهر اللفظ غير مراد فهو غير مستعمل فيه، فلا وجه للحكم بكونه كذبا إلا في نظر المخاطب، حيث يتخيل أنّ المراد ظاهره، و لعلّ هذا مراد المحقق القمّي (رحمه اللّه)، لا أنّه كذب واقعا، فهذا الكلام من هذا الفاضل إفراط في مقابل التفريط السابق من اشتراط قصد التفهيم في
[١] في نسخة (د): لا دخل لهما.
[٢] في نسخة (د): لهما.
[٣] قد ذكر الشيخ الأعظم في مكاسبه من بحث التورية نظر الفاضل القمي- قوانين الأصول: ١/ ٤١٩- من أنّ المعتبر في اتصاف الخبر بالصدق و الكذب هو ما يفهم من ظاهر الكلام لا ما هو المراد منه. المكاسب: ٢/ ١٨.