التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٩٨ - المقام الخامس في تعارض المرجحات مع بعضها
الصدور، فلا يبقى مورد للحمل على التقيّة، و يمكن أن يقرّر على وجه الحكومة؛ و ذلك لأنّ الشكّ في التقيّة و عدمها ناش عن الشك في الصدور، فإذا حكم- بمقتضى المرجّح الصدوري- بعدمه فيرتفع الشك، فالمرجّح الصدوري حاكم على الجهتي، و أمّا تقديمه المضموني على الصدوري فمن جهة أنّه أقوى، و كذا تقديم الكتاب على غيره من المرجّحات المضمونيّة و غيرها.
و يمكن أن يكون تقديم المضموني على الصدوري لا من جهة الأقوائيّة؛ بل لأنّ حيث المضمون أولى بالاعتبار من حيث الصدور؛ لأنّ اعتبار المرجّح الصدوري إنّما هو من جهة كون مضمونه أقرب إلى الواقع؛ لأنّه أقرب إلى الصدور، فكلامه ليس ناظرا إلى الأقوائيّة إلا في تقديم موافقة الكتاب على غيرها، فغرضه أنّ الأنواع الثلاثة مترتبة في الاعتبار من حيث هي، و إن كان النوع الثاني أو الثالث أقوى من حيث بعض أفراده بالنسبة إلى مقابله، فإذا فرضنا أنّ الأعدليّة أقوى من الأفقهيّة، و لو في خصوص مقام لا تقدم عليها [١]؛ لأنّ الأفقهيّة من المرجّحات المضمونيّة، و هي أولى من الأخذ بالصدوريّة؛ و هكذا في غيرها من المرجحات الصدوريّة بالنسبة إلى المضمونيّة، و كذا في الجهتيّة بالنسبة إلى الصدوريّة.
و كيف كان؛ ففيما ذكره من تقديم الصدوريّة على الجهتيّة نظر من وجوه:
أحدها: أنّا نمنع أنّ الحمل على التقيّة فرع الصدور، و لا بدّ أوّلا من إحرازه، ثمّ الحمل على التقيّة، بل يكفي فيه كون الخبر من حيث هو واجدا لشرائط الحجيّة، إذ ليس المراد من الحمل عليها الحكم بالصدور تقيّة، بل طرح الخبر من جهة احتمال كونه صادرا تقيّة، نعم يعتبر فرض الصدور في الحمل عليها.
فحاصل الترجيح حينئذ أنّ الخبر الموافق للعامّة- على فرض صدوره- صدر تقيّة فلا يلزم أن يحرز صدوره أولا حتى يقال إنّ المرجّح الصدوري يقتضي عدم صدوره، فكما أنّ معنى الأخذ بالأعدل عدم الاعتناء بخبر غير الأعدل، فكذلك معنى الأخذ بالخبر المخالف عدم الاعتناء بالموافق؛ من جهة احتمال التقيّة- على فرض الصدور
[١] المقصود أنّه في أكثر من مقام لا تقدم الأعدليّة على الأفقهيّة للوجه الذي ذكره من كونها من المرجّحات المضمونيّة مع كون الأعدليّة من حيث هي أقوى من الأفقهيّة.