التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٧٣ - القسم الثاني هو ما لا يكون مقوّيا لمضمون أحد الخبرين
دليل اجتهادي ناظر إلى الواقع، بل يمكن تقوية السند و الدلالة أيضا إذا كانتا ظنيين، و ما ذكره من أنّ الظن لا يحصل مع وجود الأمارة الشخصيّة في قباله كما ترى! خصوصا إذا كانت مطابقة له، مع أنّك قد عرفت سابقا أنّه لا يعتبر حصول الظن الفعلي بالواقع من المرجح.
ثمّ إذا كانت المعارضة موجبة لعدم حصول الظن فينبغي عدم الترجيح فيما ذكره من فرض كون الخبرين أيضا من العام المفيد للظن من باب الغلبة؛ لأنّ المدار عنده على حصول الظن الشخصي من المرجّح، و الخبر الآخر كما يعارض الخبر الأول كذا يعارض ذلك المرجح، فلا يحصل منه الظن الفعلي، و إن أراد أنّه قد يحصل منه الظن فقد يحصل من العام أيضا بالنسبة إلى الخاصين على وفق أحدهما.
و كيف كان؛ فمورد النزاع في كلام العلماء هو الأصل العملي، و يؤيد ذلك- و إن كان غير محتاج إلى التأييد لكمال وضوحه- أنّ بعضهم قدّم الخبر المخالف، بل ربّما ينسب إلى المشهور، و لا يمكن إسناد تقديم المخالف للأصل اللفظي على موافقة إلى أصاغر الطلبة فضلا عن مشهور العلماء، فيعلم من ذلك أنّ مرادهم من الأصل الأصل العملي، مع أنّهم ذكروا الترجيح بموافقة عموم الكتاب من غير خلاف، إلا من الشيخ في الرسالة- على ما عرفت- مع أنّه من الأصل اللفظي.
و على أي حال فالحق عدم الترجيح بموافقة الأصل، و لا بمخالفته:
أمّا الأول؛ فلأنّ الأصل لا يكون في عرض الخبرين حتى يكون معاضدا لأحدهما، فإنّه دليل حيث لا دليل، و المفروض وجوده، و لا يضر التردد بين كونه هذا الخبر أو ذاك؛ بعد العلم بوجوب الأخذ بأحدهما إمّا معيّنا أو مخيرا، نعم لا يضر في جريان الأصل وجود الدليل مع عدم إمكان الأخذ به و الحكم بالتوقف أو التساقط، فإنّه بمنزلة عدم الوجود، فالمدار على وجوده في مقام الأخذ أو العمل، و هو كذلك في مقامنا، حيث إنّه يتعيّن الأخذ بأحدهما معيّنا أو مخيّرا، مع أنّ المقصود جعله مرجّحا للخبر الموافق، فمعناه الأخذ به و بالخبر، و هو لا يجتمع مع الخبر في مقام الأخذ و الاعتبار، حتى يكون معاضدا له و مرجّحا له، فلا يعقل الترجيح به؛ بمقتضى ما ذكرنا.