التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ١١١ - الرابع في إمكان التعارض عقلا بين الدليلين
كونها حجّتين واقعتين [١]، و إلا فمقتضى عموم الأدلة حجيّة كل منهما، فيرجع البحث إلى أنّه إذا تعارض دليلان معتبران بظاهر الأدلة فما حكمهما، و أنّه هل يحكم بالتخيير أو الترجيح أو التساقط أو غير ذلك، هذا غاية توجيه القول بالمنع.
و مع ذلك فالإنصاف إمكان كونهما حجّتين واقعيّتين، و لو على القول بالطريقيّة، و ذلك لأنّ لازم جعل الطريق، و إن كان جعل مؤداه، إلا أنّ ذلك إنّما يوجب التناقض إذا كان في القضيّة الشخصيّة بأن يقول صدّق زيدا في قوله الفلاني و صدق عمرا كذلك، و أمّا إذا كان بنحو العموم على وجه القضيّة الطبيعيّة، فلا يعد من التناقض [٢]، أ لا ترى أنّه لو قال أنقذ زيدا و أنقذ عمرو مع عدم إمكانهما معا يعدّ من التكليف بما لا يطاق، و لو قال أنقذ الغريق لا يعدّ منه، لأنّه يرجع إلى أنّ طبيعة إنقاذ الغريق واجبة.
ففي المقام نقول: إنّ الغرض من قوله صدّق العادل جعل طبيعة قول العادل بمنزلة العلم في كونه كاشفا عن الواقع، و يكون فيه مصلحة، و هو الكشف الغالبي عن الواقع، فهذه المصلحة أوجبت جعل الشارع له حجّة، و إيجابه العمل عليه بحيث لو فرض إمكان العمل بهما معا كان [٣] واجبا، كما على القول بالسببية، غاية الأمر أنّ المصلحة بناء على الطريقيّة ليست إلا الإيصال الغالبي، و ليس اللازم من ذلك وجوب العمل فعلا بكل منهما في صورة التعارض، حتى يلزم التناقض أو التكليف بالمحال.
و بالجملة فرق بين جعل المؤدّى أولا على وجه التناقض كأن يقول: أفعل و لا تفعل و بين تعليق الحكم على موضوع، و ربّما ينجر إليه، فإنّه يمكن كون ذلك الموضوع مقتضيا لذلك الحكم على وجه العموم، بحيث يكون لازمه التزاحم في بعض المقامات، فعنوان تصديق العادل فيه مصلحة الإيصال إلى الواقع، و يمكن أن يجعل كاشفا عنه تعبدا، أو أن نجرّ [٤] لزوم التناقض في صورة التعارض، إذ لا محذور فيه، بعد أن كان العقل أو النقل حاكما حينئذ بالتخيير أو التساقط، و نحو ذلك.
[١] في نسخة (ب): كونهما حجتين واقعيّتين.
[٢] في نسخة (ب): التعارض.
[٣] في نسخة (ب): لكان.
[٤] في نسخة (ب): ينجرّ إلى.