التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٩٦ - المقام الخامس في تعارض المرجحات مع بعضها
بصدور أحدهما و ترك التعبد بصدور الآخر، و في ما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلّة الترجيح من حيث الصدور.
فإن قلت: الأصل في الخبرين الصدور؛ فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقيّة، كما يقتضي ذلك الحكم بإرادته خلاف الظاهر في أضعفهما دلالة، فيكون هذا المرجّح- نظير الترجيح بحسب الدلالة- مقدّما على الترجيح بحسب الصدور.
قلت: لا معنى للتعبد بصدورهما، مع وجوب حمل أحدهما المعيّن على التقيّة لأنّه إلغاء لأحدهما في الحقيقة، و لذا لو تعيّن حمل خبر غير معارض على التقيّة- على تقدير الصدور له- تشمله أدلّة التعبّد بخبر العادل، نعم لو علم بصدور الخبرين لم يكن بدّ من حمل الموافق على التقيّة و إلغائه، و أمّا إذا لم يعلم بصدورهما- كما فيما نحن فيه- يجب الرجوع إلى المرجّحات الصدوريّة، فإن أمكن الترجيح من حيث الصدور تعيّن، و إن قصرت اليد عن هذا المرجّح كان احتمال [١] التقيّة في أحدهما مرجحا، فمورد هذا المرجّح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إمّا علما كالمتواترين، أو تعبدا كالمتكافئين من الآحاد.
و أمّا ما وجب فيه التعبّد بصدور أحدهما المعيّن دون الآخر فلا وجه لإعمال هذا المرجّح فيه؛ لأنّ جهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور، و الفرق بين هذا الترجيح و الترجيح بحسب الدلالة المتقدم على الترجيح بالسند أنّ التعبد بصدور الخبرين على أن يعمل بظاهر أحدهما و بتأويل الآخر- بقرينة ذلك الظاهر- ممكن غير موجب لطرح دليل أو أصل؛ بخلاف التعبد بصدورهما، ثمّ حمل أحدهما على التقيّة، الذي هو في معنى إلغائه.
هذا؛ كلّه على تقدير توجيه الترجيح بمخالفة العامّة باحتمال التقيّة، و أمّا لو قلنا بأنّ الوجه في ذلك كون المخالف أقرب إلى الحق و أبعد عن الباطل- كما يدل عليه جملة من الأخبار [٢]- فهي من المرجّحات المضمونيّة، و سيجيء حالها مع غيرها.
[١] في نسخة (د): كان عدم احتمال التقية في أحدهما مرجّحا.
[٢] راجع- على سبيل المثال-: الوسائل: ٢٧/ باب ٩ من أبواب صفات القاضي، حديث ١٩.