التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٥٤ - البحث الثاني فيما تعارض الظنيان
كانت هي المرجع، و تارة مع الإغماض عنها، و التكلم في مقابل ما تقتضيه القاعدة في تعارض الخبرين مع عدم إمكان الجمع: من التوقف أو التساقط أو التخيير أو الترجيح، و بعبارة أخرى: تارة نتكلم على فرض وجود الأخبار العلاجيّة كما هو الواقع، و تارة نتكلم في مقتضى القاعدة على فرض عدم وجودها، بحيث يكون المرجع لو لا الجمع القاعدة العقليّة في تعارض الخبرين، و تظهر الثمرة في تعارض ما لا تشمله الأخبار العلاجيّة من سائر الأدلة.
أمّا على الأول فلا إشكال في عدم الجمع و الرجوع إلى تلك الأخبار، لأنّ الأصل في الأولين و إن كان هو الإعمال، لأنّه مقتضى عموم أدلّة اعتبارهما، و لازمه الجمع بين السندين، و الأخذ بالتأويل البعيد، أو الحكم بالإجمال إلا أنّ في الأخبار المذكورة علّق الرجوع إلى المرجحات أو التخيير على التعارض الصادق في المقام،
- و لا يجعل أحدهما موجبا لإجمال الآخر هو التساقط أو نحوه، و في المقام قد فرضنا تحقق هذا الموضوع، فشأنيّة شمول العموم لم تنفع، فهذه القاعدة العقليّة نظير الأخبار العلاجيّة الواردة على قاعدة الجمع، غاية الأمر أنّ الأخبار واردة عليها و إن كانت جارية لولاها، و القاعدة العقليّة واردة من جهة أنّ جريانها لم يثمر في رفع موضوع الحكم العقلي.
فإن قلت: إذا فرضت أنّ دليل الحجيّة من حيث هو شامل لهما فيكونان كالقطعيين، فلا بدّ من الأخذ بالتأويل البعيد أو الحكم بالإجمال، فتسليم شمول الدليل من حيث هو و عدم الحكم بمقتضاه لا وجه له، بل هو تناقض؛ لأنّك تحكم بالشمول ثمّ ترجع و تقول الحكم بالتساقط أي بعدم الشمول.
قلت: فرق بين المقام و القطعيين إذا سلّمنا الأخذ فيهما بالمعنى التأويلي، و إن كان بعيدا مع عدم العلم بالواقع معه، و ذلك لأنّ في القطعيين لمّا لم يكن بدّ إلا الأخذ بخلاف الظاهر فالمعنى التأويلي البعيد يصير بحكم العرف معنى للّفظ، فالعرف في أول الأمر لا يجعله معنى اللفظ، لكن بعد ملاحظة قطعيّة السند و عدم البدّ من حمله على هذا المعنى بجعله معنى له، بخلاف المفروض في المقام حيث إنّ العرف لما يحتمل أن لا يكونا صادرين، فلا يجعل التأويل معنى للّفظ بمجرد ورود دليل الاعتبار، ففي القطعيين القطع بالصدور يصير قرينة لا بمعنى أنّ نفس القطع قرينة، بل بمعنى أنّ الظاهر المقطوع من حيث إنّه مقطوع قرينة، و هذا المعنى غير متحقق في الظنيين فقرينيّة كل من الظاهرين للآخر بالنسبة إلى المعنى التأويلي البعيد الذي لا يساعد عليه العرف في أول الأمر منوطة بقطعيّة كلّ منهما، و وصف القطع له دخل في ذلك فلا يرد أنّ دليل الحجية إذا شمل كلّا منهما فيكون بحكم الشارع مثل القطع؛ لأنّ حكم الشارع لا يحدث صفة القطع و القرينيّة منوطة بها، إلا أنّ نفس الظاهر قرينة؛ لأنّ المفروض أنّه ليس قرينة من حيث هو في نظر العرف ...