التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٤٦ - الأول ما يكون غير معتبر بنفسه؛ أي مع قطع النظر عن الخبرين
في باب الأحكام.
فإن قلت: إذا استفدنا من أخبار التراجيح أنّ المدار على مطلق ما يقوي أحد الخبرين سواء المنصوصات و غيرها، فكما يخرج بذلك عن العمومات الدالّة على عدم حجيّة الظن، و أنّه لا يغني من الحق شيئا، فلا بدّ من الخروج عن نواهي القياس، إذ لا فرق بينهما إلا بالعموم و الخصوص، و هو لا يكون فارقا.
قلت:
أولا: لا نسلّم عدم الفرق، إذ النسبة بين أخبار الترجيح و عمومات حرمة العمل بالظن هو العموم المطلق، فهي نظير ما دلّ على حجيّة خبر الواحد، و هذا بخلاف نواهي القياس، فإنّ أخبار الترجيح ليست أخص منها، بل النسبة عموم من وجه، و على فرض التكافؤ لا دليل على الترجيح بالقياس.
و ثانيا: نقول إنّ أخبار التراجيح منصرفة عن الظن القياسي، لما عرفت من أنّه ليس من الأمارات العقلائيّة، بعد كون مدارك الأحكام خفيّة و مصالحها مجهولة، و هذا بخلاف سائر الصور [١]؛ مثل الظن الحاصل من الشهرة و الإجماع المنقول و نحوهما، فما نحن فيه نظير إثبات اللغة بالقياس، فكما أنّ اللغة حيث كانت توقيفيّة لا يمكن إثباتها بالظن القياسي، مع أنّه يعمل فيها بالظن الحاصل من كلام اللغوي أو التبادر أو نحو ذلك فكذلك المقام، فالظن القياسي دليل لمّي [٢]، و الظنّ الحاصل من مثل الشهرة دليل إنّي، و لا وجه لإعمال الأول بعد خفاء لمّ الأحكام علينا.
و الإنصاف أنّه مع الإغماض عن نواهي القياس أيضا لا يجوز العمل به في باب التراجيح، بل و لا في باب الأحكام، و إن قلنا بحجيّة مطلق الظن، إذ الأدلة لا تشمله فتدبّر!.
فإن قلت: إنّا نرى العقلاء لا يفرّقون في أمورهم العرفيّة، و إن كان متعلّقة بالموالي
[١] في نسخة (د): «الظنون» بدل كلمة «الصور».
[٢] الدليل اللمي ما كان مفاده- بتوسط الحد الأوسط- الانتقال من العلّة إلى المعلول و ما يعطي اللميّة في الوجود و التصديق معا، و يقابله الدليل الإنّي و هو ما كان مفاده الانتقال من المعلول إلى العلّة، و مراده من خفاء لمّ الأحكام أي عللها، فالأول واسطة في الإثبات و الثبوت معا، و الثاني واسطة في الإثبات فقط.