التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٨٦ - ثالثها ما هو مقتضى التحقيق
جعل أحكامها.
و الحاصل أنّه فرق بين جعل قول العادل منزلة العلم من حيث هو، بمعنى إيجاب ترتيب آثار العلم عليه، و بين جعله بما هو مرآة للواقع منزلة العلم الطريقي، ففي الأول يجري السؤال و الجواب، و في الثاني لا موقع للسؤال أصلا، و ظاهر الأدلة على فرض التسليم هو الثاني، هذا مع أنّ الجواب الأول بناء على كون التنزيل على الوجه الأول غير صحيح، إذ لا معنى لالتزام جعلين بالنسبة إلى الطريق و المؤدى، و أيضا لازم ذلك المعنى قيام الأمارات مقام العلم الذي هو جزء للموضوع أيضا، كما إذا كان المحرم الخمر المعلوم، و أخبر العادل بأنّ هذا خمر، و لا يلتزم به.
فتحصّل أنّ ما ذكره- دام ظله- إنّما يتم إذا كان الغرض تنزيل الأمارة بما هي أمارة منزلة العلم مطلقا من غير تخصيص بحيثيّة الطريقيّة فقط، و حينئذ يتم النقض بمثل الاستصحاب، و يلزمه إقامته مقام العلم الذي هو جزء للموضوع، و أمّا إذا كان الغرض التنزيل من حيث المرآتية و الطريقيّة كما هو الظاهر، و لو فرض التصريح بذلك بأن يقول نزّل ظنّك منزلة العلم، فلا يقتضي إلا ترتيب الواقع، إذ جعل الطريق إنّما هو بمقدار إثبات ذيها، فلا يفيد أزيد من ذلك حسبما عرفت.
ثالثها [١]: ما هو مقتضى التحقيق
من أنّ الأمارات و الأدلة لمّا كانت معتبرة من حيث الطريقيّة و المرآتيّة، فلسانها لسان إراءة الواقع و كشفه، و مؤدياتها نفس الواقع الأولي، و لسان الأصول بيان حكم العمل، و مؤدّياتها ليست واقعا أوليّا، بل أحكاما للعمل حين عدم انكشاف الواقع، و إن كان بلسان التنزيل منزلة الواقع، بمعنى ترتيب آثاره، و المفروض أنّ اعتبارها إنّما هو معلّق على الشك في الواقع؛ إمّا لأنّه معتبر في موضوعاتها، أو لأنّه معتبر في أدلة اعتبارها، فبعد انكشاف الواقع و لو بحكم الشرع لا يبقى مورد لها، فلسان أدلتها لسان المحكوميّة بالنسبة إلى الأدلة، و لسانها لسان الحاكية [٢]، لا لما ذكر من إلغاء احتمال الخلاف، و نفي الشك و أحكامه، بل لأنّ ذلك مقتضي انكشاف الواقع بعد حكم الشارع بثبوته، و لا يضرّ كون اعتبار
[١] الوجه الثالث من وجوه تقرير تقديم الدليل على الأصل بالحكومة.
[٢] في نسخة (ب): لسان الحكومة و الحاكميّة (بدل الحاكية).