الإجتهاد و التقليد في علم الرجال و أثره في التراث العقائدي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤ - النجاشي وقدماء الرجاليين يستندون في الجرح إلى الاجتهاد لا الحس
من الجرح أو التعديل أو التوثيق. فمن غريب المفارقات حينئذٍ المناقشة في توثيقات الكشّي أو طعونه استضعافاً لطرق تلك التوثيقات، مع الإهمال في طرق النجاشي والحكم بصحّتها أو استفاضتها وتواترها، فإنّ المداقّة في أسانيد الكشي لا يتلائم مع الإغماض عن مستند آراء النجاشي في الجرح أو التعديل أو الشيخ أو الغضائري (الابن) وغيرهم من متقدمي أرباب الجرح أو التعديل.
والأعجب من ذلك أنك ترى أنّ جملة من المتأخرين ناقشوا في قاعدة الإجماع وقاعدة «الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون إلّاعن ثقة» ونحوها من القواعد بأنها آراء الأقدمين المبنية على الحدسيّات وليست هي شهادات حسية ولا إخبار عن عموم مستغرق للموارد والحال أنّ الكشي والشيخ أسندا مقولة الإجماع إلى اتّفاق الأصحاب بل الطائفة، والحال أنّ ما يذكره النجاشي في آحاد المفردات الرجالية لا يسنده في كثير من الموارد إلى الأصحاب؛ فهذه المفارقة متدافعة.
الخامس: أنّ في الكثير من الموارد يصرح النجاشي والشيخ الطوسي وغيرهما بأنّ الجرح والتعديل والرأي الذي انتهوا إليه في المفردة بنوه على مواد استدلالية ومناهج رجالية أخرى لا يعتمد فيها على الشهادة بحال الراوي المسندة إلى معاصر له، بل اعتمدوا في رأيهم حول تلك المفردة على مضامين ما يرويه، أو على مشيخة الراوي وبيئته العلمية، أو على المدرسة العلمية التي ينتمي إليها، أو جملة تلاميذه. بل إنّ التتبع يشهد بأنّ جلّ أرباب الجرح والتعديل في الفريقين إنّما يعتمدون في الجرح والتعديل والحكم على حال الراوي على مضامين ما يرويه الراوي من الروايات والمدرسة الكلامية التي ينتمي إليها [١]
[١] - كما عقدنا في ذلك مباحث مستقلّة وسيأتي مفصّلًا.