الإجتهاد و التقليد في علم الرجال و أثره في التراث العقائدي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٤ - الأصل الخامس، ضرورة الفحص عن آراء الأعلام المتقدّمين
فإنّ جمع شتات الأخبار في منهجة موضوعيّة على محوريّة مركزيّة دالّ على تخطيط هندسي واستنباط نافذ علمي لجوامع البحوث وفصولها. وتعدّد جهاتها ومراتبها وحلقات ارتباطها، وهذا ما يعرف في البحوث الحديثة بمعرفة نُظُم المعلومات ومنهجيّة توظيفها، وكذا الحال في فروع الكافي وتبويبه؛ فكم هناك فرق شاسع بين تبويب البرقي في المحاسن وتبويب فروع الكافي، مع أنّ البرقي منعوت بالجامعية والإحاطة بمختلف العلوم.
وفي الحقيقة أنّ التبويب ليس إلّااستنباطات واستنتاجات علمية وفتاوى مستخلصة من مضامين الأحاديث، فالتبويب في نفسه عمليّة اجتهادية واستنباطية وليس كما يظنّ ويتوهّم أنّها ترتيب تراجمي. هذا، فضلًا عن تقطيع الحديث وتوزيعه في الأبواب المختلفة فإنّه عمليّة استنباطيّة أخرى أيضاً.
وكذلك تسلسل الأبواب والفصول فإنّها تأليف وترتيب منطقي استنتاجي علمي للوصول إلى النتائج المتعاقبة المعدّ بعضها للبعض الآخر. ومن ثمّ استظهر الأصحاب في كتبهم الفقهية جملة من فتاوى الكليني في الفروع من عناوين الأبواب وتبويبها ونسبوا إليه تلك الفتاوى.
ومن ثمّ ترى جملة من المحدّثين ممّن لم يصلوا إلى مراتب علمية عالية تبويب الحديث لديهم كالكشكول المختلط أو يُرى هزالة عناوين الأبواب وتقسيماتها المدوّنة من قبلهم، فضلًا عن تبعثر الأبواب من دون رابط وعلائق أو الاقتصار على سطح ألفاظ الحديث، إلى غير ذلك من الفوارق المشاهدة بين الكليني كفقيه وعارف وزعيم من زعماء علماء المذاهب وبين غيره من المحدّثين. وهذا بالضرورة ينعكس على دقّة آرائه الرجالية ومتانة عمليّة الجرح والتعديل لديه، لأنّ الجلّ في الجرح والتعديل قائم على دراسة مضمون