الإجتهاد و التقليد في علم الرجال و أثره في التراث العقائدي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٢ - الأصل التاسع، البحث الرجالي بين جمع المواد والتحليل النقدي
والثقافي والأخلاقي والعمراني والطبي والصحّي والقضائي والسياسي إلى غير ذلك من البيئات والمجالات التي ترتبط بعلوم عديدة.
ومن ذلك يتبيّن أنّ وظيفة المؤرّخ هو جمع الموادّ واستقصائها، وأمّا التحليل واستخراج النتائج في المجالات العديدة فهي من وظائف العلوم الأخرى ومهمّاتها. فإذا طالعنا باحث وحكم وأخبر عن وجود ظاهرة معيّنة في دورة زمنية معيّنة فلا يصحّ الاعتراض عليه بدعوى أنّ المؤرّخين والنصوص التاريخية لم تذكر هذه الظاهرة أو هذه النتيجة، ولم يتعرّضوا لوجودها ولم يحكموا بها. بل الصحيح هو دراسة المقدّمات والموادّ التي استند إليها وكيفية الاستنتاج منها. فالنقد والتحليل والاستنتاج ليس من نصيب المؤرّخ التاريخي بل هو من نصيب الباحثين في العلوم الأخرى. وهذا نظير ما قالوه وقرّروه عن اللغوي فإنّه يتقصّى ويجمع الموادّ للاستعمال اللغوي ولكنّه لا يستصوب في تحديد المعنى الحقيقي وتمييزها عن المعاني المجازية، كما لا يعوّل عليه في تمييز موارد الاستعمال وتمييزها عن المعنى المستعمل فيه فضلًا عن تمييزها عن المعنى الحقيقي.
والحال هذا لا يقتصر على المؤرّخ التاريخي فقط بل كذلك الحال في الرجالي، فإنّ وظيفة الرجالي جمع الموادّ واستقصائها، وأمّا تحليلها وإعطاء النتائج فذلك يتوقّف على بحوث علمية من علوم أخرى لا يوفّرها علم الرجال بمفرده.
نعم، هذا التفكيك بحسب وظائف العلوم لا يعني القول بامتناع توفّر الأهليّة والإحاطة بعدّة من العلوم في الباحث الرجالي، أي قدرته على التحليل والاستنتاج من جهة كونه متضلّعاً في الفقه أو في علم الكلام أو علوم أخرى.