الإجتهاد و التقليد في علم الرجال و أثره في التراث العقائدي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣١ - ركنية صحّة المضمون وتقدّمها على حجّية الصدور
الثاني: مدارية المحكم للمتشابه
إنّ حجية الصدور لمّا كانت جزءاً من أجزاء حجية خبر الواحد الظنّية فهي من جهة الرتبة متأخّرة عن الحجج القطعية ومأخوذ فيها لحاظ الحجج القطعية، فهي بمثابة موضوع الموضوع أو قيود الموضوع، وقد يعبّر عن هذه القاعدة بأنّ الحجج الظنّية في ظلّ الحجج القطعيّة، وأنّ الحجج القطعيّة لها الإشراف والهيمنة على الحجج الظنّية فهي بمثابة الأسس والأصول القانونية لها، نظير تفرّع المسائل النظرية على القضايا البديهية أي عرض النظري على البديهي وهذا ما يعبّر عنه في لسان الآيات والروايات بقاعدة ردّ المتشابه إلى المحكم وهيمنة وعمومة المحكم على المتشابه.
وليس المراد من المتشابه ما يكون متشابهاً في نفسه بل المراد ما يكون متشابهاً بالقياس إلى ما هو أمتن دليلًا وأحكم منه استدلالًا وأقوى منه حجّة في منظومة الحجج. فإنّ الاعتماد على كلّ حجّة لابدّ وأن يكون في ظلّ اعتماد على الحجّة الأقوى وإلّا يكون من اتباع الظنّ المنهي الذي لا يغني من الحق شيئاً.
فإنّ اتباع الظنّ في المصطلح القرآني إنّما يطلق على متابعة الحجّة الأضعف ورفض الحجّة الأقوى نظير ما ورد في اليهود حيث اعتمدوا على المشاهدة بالعين في صلب المسيح عليه السلام، ورفضوا إخبار المسيح عليه السلام نفسه المقرون بالمعجزة من أنّه لا يموت حتّى يظهر في دولة خاتم الأوصياء (عج).
فلأجل اعتمادهم على الرؤية الحسية التي هي حجّة في ظلّ حجّية المعصوم عليه السلام وصفهم اللَّه باتباع الظن وترك اليقين وهكذا يلاحظ أنّ كلّ حجّة وإن كان تامّاً في الحجية إلّاأنّها مشروطة بعدم مخالفتها لما هو الأقوى حجّة