رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٢ - حدّ التوحيد والشرك
بالنسبة للمخضوع له، إلاّ أنّه عبد لله تبارك وتعالى ورسول من رسله أو ولي من أوليائه، فلا يعد الخضوع له عبادة أبداً ولا يصير الخاضع بعمله مشركاً، وهذا هو يعقوب النبي وأولاده سجدوا ليوسف، قال سبحانه: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)[ ١ ]، كما أنّ الملائكة في بدء الخلقة سجدوا لآدم خاضعين لكرامته وشرفه ولعلمه بالأسماء دونهم،[ ٢ ] ولم يوصف عملهم هذا عبادة لآدم.
والّذي يدل على ذلك أنّه سبحانه علّق الأمر بالعبادة على عنوان الرب وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[ ٣ ] ومن المعروف أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية، فلو قال: أكرم عالماً، يستفاد منه أنّ وجوب الإكرام لأجل علمه، فيستفاد من الآية أنّ العبادة من شؤون الربوبية، فالعبادة خاصة بمن هو ربّ يدبر الكون وبيده مصير الإنسان دون غيره.
فإذا خضع الإنسان في مقابل من هو رب واقعاً أو هو رب ـ حسب زعم الخاضع ـ فيوصف عمله بالعبادة، دونما إذا خضع مجرداً عن أيّة عقيدة ترتبط بالربوبيّة.
وهذا هو القرآن الكريم يأمر بالتذلّل أمام الوالدين ويقول: (وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[ ٤ ].
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ البناء على قبر نبي أو ولي أو غيرهما من عامة الناس يعد تكريماً للميت، وتبجيلاً له لأنّه لم يعمل ذلك باعتقاد أنّه خالق أو
[١] يوسف: ١٠٠ . ٢ . لاحظ البقرة: ٣٠ـ٣٤ .
[٣] البقرة: ٢١. ٤ . الإسراء: ٢٤.