رسائل فقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٧ - زيارة مراقد العلماء والشهداء
كما أنّ لزيارة مراقد الشهداء ـ الذين ذبّوا بدمائهم عن دينهم وشريعتهم المقدسة ـ أثراً آخر وراء العبرة والاعتبار، وذلك لأنّ الحضور عند مراقدهم بمنزلة عقد ميثاق وتعهّد من الحاضرين في مواصلة الخط الّذي ساروا عليه، وهو خط الانتصار الحقيقي والسبيل الإلهي لتحقيق الأهداف السامية.
قال سيد قطب في تفسيره لقوله تعالى:(إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلنا وَالَّذينَ آمَنُوا في الْحَياةِ الدُّنْيا): والناس يقصرون معنى النصر على صورة معيّنة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى. وقد يتلبّس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة... إبراهيم(عليه السلام) وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟
ما من شك ـ في منطق العقيدة ـ أنّه كان في قمة النصر وهو يُلقى في النار، كما أنّه انتصر مرة أُخرى وهو ينجو من النار.
هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد، فأمّا في الحقيقة فهما قريب من قريب!.[ ١ ]
ولإيضاح الحال نأتي بمثال: أنّ الفقهاء أفتوا باستحباب استلام الحجر الأسود عند الطواف، وعندئذ يسأل الحاج عن سرّ هذا العمل، وما هي الفائدة من وضع اليد على الحجر واستلامه؟ إلاّ أنّه لو تأمّل في تاريخ بناء البيت الحرام يجد أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) قد تولى إعادة بناء بيت الله الحرام بعد طوفان نوح(عليه السلام)، وبأمر من الله عز وجل وضع الحجر الأسود ـ الذي كان جزءاً
[١] في ظلال القرآن:٧/١٨٩، تفسير الآية٥١ من سورة غافر.