قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٨١
فان اللبوة لم تعرض له وهي تأكل الطين وترضعه، فبعث إلى دانيال، فقال: ما رأيت في المنام ؟ فقال: رأيت كأن راسك من كذا وصدرك من كذا، قال: هكذا رأيت فما ذاك ؟ فقال: ذهب ملكك وانت مقتول الى ثلاثة أيام يقتلك رجل من ولد فارس. قال: فقال له: ان علي لسبع مدائن على باب كل مدينة حرس وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة من نحاس على باب كل مدينة، لا يدخل غريب إلا صاحت فيؤخذ. قال: فقال له: ان الأمر كما قلت لك. قال: فبعث الخيل وقال: لا تلقون احدا من الخلق إلا قتلتموه وكان دانيال جالسا عنده، قال: لا تفارقني هذه الثلاثة أيام، فان مضت قتلتك. فلما كان اليوم الثالث ممسيا اخذه الغم فتلقاه غلام كان اتخذه ابنا له من اهل فارس وهو لا يعلم انه من اهل فارس، فدفع إليه سيفه وقال له: يا غلام لا تلقى احدا إلا وقتلته ولو لقيتني أنا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله. فخرج ارميا على حمار ومعه تين قد تزوده وشيء من عصير، فنظر الى سباع البر وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف، ففكر في نفسه ساعة ثم قال: (انى يحيى الله هؤلاء - وقد أكلتهم السباع - فأماته الله مكانه). وهو قول الله تبارك وتعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه) أي احياه. فلما رحم الله بني اسرائيل واهلك بخت نصر، رد بني اسرائيل الى الدنيا، وكان عزير لما سلط الله بخت نصر على بني اسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها، وبقى ارميا مائة سنة، ثم احياه الله، فأول ما أحيى منه عينيه في مثل زقىء البيض فنظر فأوحى الله تعالى إليه: (كم لبثت قال لبثت يوما)، فنظر الى الشمس قد ارتفعت، فقال: (أو بعض يوم)، فقال الله تبارك وتعالى: (بل لبثت مائة عام فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنه - اي لم يتغير - وانظر الى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما) فجعل ينظر الى العظام البالية المنفطرة يجتمع إليه والى اللحم الذي قد اكلته السباع يتألف الى العظام