قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٧٦
قال: عبد لي ملكته على عبيدي وخولته على مفاتيحي فعاداني و احب من عاداني وعادى من احببت. قال لبئس العبد عبدك، لو كان لي عليه سبيل لأغرقته في بحر القلزم، قال: ايها الملك اكتب لي بذلك كتابا فدعى بكتاب ودواة فكتب ما جزاء العبد الذي يخالف سيده فأحب من عادى وعادى من احب إلا ان يغرق في بحر القلزم قال: ايها الملك إختمه، فختمه ثم دفعه إليه. فلما كان يوم البحر أتاه جبرئيل عليه السلام بالكتاب فقال: خذ هذا ما استحققت به على نفسك وهذا ما حكمت به على نفسك. اقول: قد أوردوا شبهة في هذا المقام وهو انه يلزم من اجراء الماء مثلا على يدي فرعون اغراء قومه وغيرهم باتباعه وقبول قوله: وهذا غير جائز على الحكيم، ولم أر من تعرض للجواب عنها، لأنها شبهة فاسدة في نفس الامر، الا ان الشبهات كلها من هذا الباب، فلزم التعرض للجواب عنها، مع انها لا اختصاص لها في هذا الباب المورد، بل جارية في موارد كثيرة كما ستعرف ان شاء الله تعالى. والجواب عنها من وجوه: (الوجه الاول) ان الامور التي يظهر بطلانها على العامة والخاصة، ومن اعمل العقل فيها لا اغراء للناس في وجودها، وذلك ان ربوبية فرعون كان أمرا باطلا تدركه العقول والاوهام والافهام ومن طاوعه عليها لم يكن منها على يقين، ولهذا قالوا له لئن لم تجر لنا النيل لنتخذن الها غيرك. فظهر: ان سجودهم له وقولهم بربوبيته انما هو مستند الى اطماع الدنيا واعتباراتها والهرب من شره وعذابه الذي كان يوقعه لغيرهم وقد اطاعوا في متابعته الاهواء والوساوس الشيطانية، وما كانت التقية تبلغ بهم الى ذلك الحد و ارتكاب الاقوال الباطلة. وبالجملة فقوله لهم انا ربكم الاعلى، امر ظاهر البطلان، وحينئذ فاجراء ماء النيل مثلا لا يلزم منه اغراؤهم بالقول بربوبيته.