قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٥٣
ذلك اليهما ؟ قال: كان موسى الذي يناجي ربه ويكتب العلم ويقضى بين بني اسرائيل وهارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجات قلت: فأيهما مات قبل صاحبه قال: مات هارون قبل موسى، وماتا جميعا في التيه. قلت: أو كان لموسى ولد ؟ قال: لا، كان الولد لهارون. قال: فلم يزل موسى عند فرعون في اكرامه كرامة، حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان ينكر عليه ما يتكلم من التوحيد، حتى هم به، فخرج موسى من عنده ودخل مدينة من مدائن فرعون فإذا رجلان يقتتلان، احدهما يقول بقول موسى والآخر يقول بقول فرعون، فجاء موسى فوكز صاحبه وقضى عليه وتوارى في المدينة، فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه الى موسى قال له: اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس فخلى سبيله وهرب. وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى قد كتم ايمانه (ستمائة سنة) وهو الذي قال الله عز و جل: (و جاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه...) الآية. وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل، فطلبه ليقتله، فبعث المؤمن الى موسى (ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج اني لك من الناصحين) فخرج منها خائفا يترقب - اي يلتفت يمنة ويسرة - ومر نحو مدين، وكان بينه وبين مدين ثلاثة ايام، فلما بلغ باب مدين رأى بئرا يستقى منها لاغنامهم، فقعد ناحية ولم يكن اكل منذ ثلاثة ايام شيئا، فنظر الى جاريتين في ناحية ومعهما غنيمات لا تدنوان من البئر، فقال لهما: ما بالكما لا تستقيان ؟ فقالا: حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير. فرحمهما موسى ودنا من البئر، فقال لمن على البئر: استسقي لي دلوا ولكم دلوا ؟ وكان الدلو يمده عشرة رجال. فاستسقى وحده دلوا لبنتي شعيب وسقى اغنامهما، ثم تولى الى الظل فقال: (رب اني لما انزلت الي من خير فقير) والله ما سأل الا خبزا يأكله ببقلة الارض، ولقد رأوا خضرة البقل في صفاق بطنه من هزاله.