قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٠٩
وليس من عادة الحكماء المتماسكين. قلنا: ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى بأخيه ما يقتضي صدور معصية ولا قبيح من واحد منهما. و ذلك ان موسى عليه السلام اقبل وهو غضبان على قومه لما احدثوا بعده مستعظما لفعلهم، مفكرا فيما كان منهم، فأخذ برأس اخيه وجره إليه، كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر. اما ترى ان المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه ويقبض على لحيته، فأجرى موسى عليه السلام اخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان اخاه وشريكه ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في احوال الفكر والغضب، وبهذه الامور تختلف احكامها بالعادات فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها وبالعكس. واما قوله: (لا تأخذ بلحيتي) فلا يمنع ان يكون هارون خاف من ان يتوهم بنو اسرائيل بسوء ظنهم انه منكر عليهم معاتب، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع: (إني خشيت ان تقول...) الآية، وفي موضع آخر: (يابن ام إن القوم استضعفوني). ويمكن ان يكون قوله (لا تأخذ بلحيتي) ليس على سبيل الأنفة بل معنى كلامه لا تغضب ولا يشتد جزعك واسفك، انتهى. وذكر الصدوق: ان ذلك كان بينهما على جهة المصلحة لتخويف الامة وليعلموا شدة إنكار موسى عليهم، على انه لو كان ذلك مما لا ينبغي من واحد منهما فهو من باب ترك الأولى. كما قيل لما ورد من الادلة القاطعة على عصمتهم. (و روي) ان موسى عليه السلام لما رجع الى قومه وقد عبدوا العجل، قال لهم موسى: (يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى الله بارئكم فاقتلوا انفسكم). فقالوا كيف نقتل انفسنا ؟ فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم الى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف، فإذا صعدت انا منبر بني اسرائيل فكونوا انتم متلثمين لا يعرف احد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا. فاجتمعوا سبعين الف رجل ممن كانوا عبدوا العجل الى بيت المقدس، فلما صلى بهم موسى