قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٩
واما بيان ان ابليس اقر بطهارته فلأنه قال: (فبعزتك لاغوينهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلصين) فاقر بأنه لا يمكنه اغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: (انه من عبادنا المخلصين) وكان هذا اقرار من ابليس، بانه ما اغواه وما اضله عن طريق الهدى. و عند هذا، فقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا الى يوسف (ع) هذه الفضيحة ان كانوا من اتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله على طهارته، وان كانوا من اتباع ابليس و جنوده فليقبلوا شهادة ابليس على طهارته، ولعلهم يقولون كنا في ابتداء الامر تلامذة ابليس الا انا زدنا عليه في السفاهة، كما قال الحروري: وكنت فتى من جند ابليس فارتقى * بي الامر حتى صار ابليس من جندي فلو مات قبلي كنت احسن بعده * طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل ان يوسف (ع) برىء عما يقوله هؤلاء الجهال، وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين: (المقام الاول) ان نقول لا نسلم ان يوسف عليه السلام (هم بها) والدليل انه تعالى قال: (وهم بها لو لا ان رأى برهان ربه) و جواب (لولا) هاهنا مقدم، و هو كما يقال قد كنت من الهالكين لولا اخلصك. ثم ذكر للزجاج سؤالات واجاب عنها، ثم قال: (المقام الثاني) في الكلام على هذه الآية ان نقول: سلمنا ان الهم قد حصل الا انا نقول: ان قوله (و هم بها) لا يمكن حمله على ظاهره، لان تعليق الهم بذات المرأة محال، لان الهم من جنس القصد، ولا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت انه لا بد من اظهار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم، و ذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا ان ذلك المضمر هو ايقاع الفاحشة، و نحن نضمر شيئا يغاير ما ذكروه و بيانه من وجوه: (الوجه الاول) انه عليه السلام: هم بدفعها عن نفسه ومنعها من ذلك القبيح لان الهم هو القصد. فوجب ان يحمل في كل واحد على القصد الذي يليق به،