قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٤٥
سنا مني قد ذاق الموت ؟ قال بلى، ثم قال لامه انسجي له مدرعة من شعر وبرنسا من صوف، ففعلت. فتدرع المدرعة على بدنه و وضع البرنس على رأسه، ثم اتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عز وجل مع الاحبار، حتى اكلت مدرعة الشعر لحمه. فنظر ذات يوم الى ما قد نحل من جسمه، فبكى، فأوحى الله تعالى: يا يحيى أتبكي مما قد نحل من جسمك، وعزتي وجلالي لو إطلعت على النار إطلاعة، لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج، فبكى حتى اكلت الدموع لحم خديه، وبدا للناظرين أضراسه. فبلغ ذلك امه، فدخلت عليه وأقبل زكريا واجتمع الاحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه، فقال ما شعرت بذلك، فقال زكريا: يا بني ما يدعوك الى هذا انما سألت ربي ان يهبك لي لتقر بك عيني ؟ قال انت امرتني بذلك يا ابة، قال ومتى ذلك يا بني ؟ قال: الست القائل: ان بين الجنة والنار لعقبة لا يجوزها إلا البكاؤون من خشية الله ؟ قال بلى، فجد واجتهد وشأنك غير شأني. فقام يحيى فنفض مدرعته، فأخذته امه فقالت: أتأذن لي يا بني ان اتخذ لك قطعتي لبود يواريان أضراسك وينشفان دموعك ؟ فقال لها: شأنك. فاتخذت له قطعتي لبود يوريان أضراسه وتنشفان دموعه، حتى إبتلتا من دموع عينيه، فحسر عن ذراعيه، ثم اخذهما فعصرهما فتحدر الدموع بين أصابعه. فنظر زكريا الى ابنه والى دموع عينيه، فرفع رأسه الى السماء وقال: اللهم ان هذا ابني وهذه دموع عينيه وانت أرحم الراحمين. وكان زكريا عليه السلام إذا أراد أن يعظ بنى اسرائيل يلتفت يمينا و شمالا فان رأى يحيى لم يذكر جنة ولا نارا. فجلس ذات يوم يعظ بني اسرائيل، واقبل يحيى قد لف رأسه بعباءة، فجلس في غمار الناس، وإلتفت زكريا يمينا وشمالا فلم ير يحيى، فأنشأ يقول: حدثني حبيبي جبرئيل عن الله تبارك وتعالى: ان في جهنم جبلا يقال له السكران