قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٧٨
(الوجه الثالث) ان فرعون وهامان كانا حاذقين في السحر وبه غلبا على قومهما فلعل تلك الافعال الغريبة كانت مستندة الى السحر، ولا ينافيه سجوده وتضرعه لله تعالى ودعائه. فان السحرة لا يخلو سحر من سحرهم عن الآيات والادعية، وان ضموا إليها امورا اخر. فلعل جريان النيل كان من ذلك العلم. ويجري ايضا في غيره من الموارد في الكفار والمخالفين. (الوجه الرابع) ان الحكمة الالهية اقتضت ان يكون طريق التكليف مقرونا بالالطاف والتوفيقات ومحفوفا بالابتلاء والاختبار ومعارضات العقول والاوهام ليتميز المؤمن من غيره والمجاهد من القاعد ومن يغلب الهوى عليه ممن يجري على مقتضى العقول و بزوال الاوهام. وذلك ان الله سبحانه أرسل الى فرعون وقومه وموسى وهارون الحجج القاطعة والآيات الباهرة والالطاف الالهية والتوفيقات الربانية، ولو عملوا فيها بمقتضى العقول وتجردوا عن الاوهام و الشكوك لكانت موجبة لايمانهم. وأما الذي جرى على يد فرعون من الامور الغريبة، فكان من باب الابتلاء والاختبار لقومه. وهذا مما ليس فيه اغراء ولا يوجب لفرعون ربوبية ولا نبوة. وهذا أيضا يجري في غيره من الموارد الكثيرة في طبقات الكفار والمخالفين. فان كون عبد السلام البصري مثلا يلزم الحيات ويدخل مع تلاميذه النار ويفعل الافعال الغريبة لا يوجب ان يكون مذهبه على الحق ولا ان تكون طريقته هي المثلى لان كثيرا من كفار الهند وغيرهم يصنعون ما هو اغرب واعجب. (الوجه الخامس) ان الحكمة الالهية قد جرت بأنه إذا اكمل الحجة على عباده و اقام فيهم البراهين واكمل فيهم العقول وارسل إليهم الانبياء. ولم يبق لهم عذر فان اطاعوه وقبلوا الايمان به وبرسله، جازاهم في الدنيا والآخرة، وان ابوا