قصص الأنبياء - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٧
فالحجة الاولى: ان الزنا من منكرات الكبائر، و الخيانة من معرض الامانة من منكرات الذنوب وايضا مقابلاة الاحسان العظيم الدائم بالاساءة الموجبة للفضيحة الباقية والعار الشديد من منكرات الذنوب، وايضا الصبي إذا تربى في حجر انسان وبقى مكفي المؤونة مصون العرض من اول صباه الى زمان شبابه وكمال قوته، فاقدام هذا الصبي على ايصال اقبح انواع الاساءة الى ذلك المنعم العظيم من منكرات الاعمال إذا ثبت هذا فنقول: ان هذه المعصية التي نسبوها الى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الاربعة، ومثل هذه المعصية لو نسبت الى افسق خلق الله لاستنكف منه، فكيف يجوز اسناده الى الرسول المؤيد بالمعجزات. ثم انه تعالى قال في عين هذه الواقعة: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وذلك يدل على ان ماهية الفحشاء مصروفة عنه. ولا شك ان المعصية التي نسبوها إليه افحش اقسام الفحشاء، فكيف يليق برب العالمين ان يشهد في عين هذه الوقعة بكونه بريئا من السوء والفحشاء، مع انه كان قد اتى بأعظم انواع السوء والفحشاء ايضا. فالآية تدل على قولنا من وجه آخر وذلك لانا نقول هب ان هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، الا انه لا شك انها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ولا يليق بحكمة الله تعالى ان يحكي عن انسان اقدامه على معصية عظيمة، ثم انه يمدحه و يثني عليه بأعظم المدائح، عقيب ان يحكي عنه ذلك الذنب العظيم، فان مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده اقبح الذنوب وافحش الاعمال، ثم يذكره بالمدح العظيم و الثناء البالغ عقيبه، فان ذلك يستنكر جدا، فكذا هاهنا. الثالث - ان الانبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك واتبعوها باظهار الندامة والتوبة و لو كان يوسف هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال ان لا يتبعها بالتوبة و الاستغفار، و لو اتى بالتوبة لحكى الله عنه اتيانه بها، كما في سائر المواضع و حيث لم يوجد شىء من ذلك علمنا انه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب و لا معصية.