مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥١٧ - المعاذير المنحوتة
هذه وجوه استحسانية لا توجب حرمة الكتاب و لا تثبت جواز إحراقها، مع أنها غير صحيحة في نفسها، لأن تدوين الحديث في زمن النبي ((صلى الله عليه و آله)) بأمره و إشرافه و اهتمامه كان أمرا مسلما مفروغا عنه، و الدليل على ذلك ما تقدم من الأدلة، و أنه لو لا التدوين في عصر الصحابة لما كان كتاب حتى يحرقه الخليفتان و أن الكتاب عندئذ كانوا كثيرين بتدبير النبي الأعظم ((صلى الله عليه و آله)) و تحريضه و ترغيبه كما تقدم، و الاشتغال بكتابة الحديث لم يكن تضييعا لفراغهم و مانعا عن كتابة القرآن، كيف و كان له ((صلى الله عليه و آله)) كتاب الدواوين المختلفة أيضا، و لم يكن اشتغالهم مانعا عن كتابة القرآن، و أما خوف أن اتكال الكاتب بكتابه يمنعه عن الحفظ و كذا سيلان الأذهان... فمما لا ينبغي ذكره و لا الرد عليه.
قال محمد عجاج الخطيب:" و نحن في بحثنا هذا لا يمكننا أن نستسلم لتلك الأسباب التقليدية التي اعتاد الكاتبون أن يعللوا بها عدم التدوين، و لا نستطيع أن نوافقهم فيما قالوه: من أن قلة التدوين في عهده ((صلى الله عليه و آله)) تعود قبل كل شيء إلى ندرة وسائل الكتابة، و قلة الكتاب، و سوء كتابتهم- لا يمكننا أن نسلم بهذا بعد أن رأينا نيفا و ثلاثين كاتبا يتولون كتابة الوحي للرسول الكريم ((صلى الله عليه و آله)) و غيرهم يتولون أموره الكتابية الأخرى، و لا يمكننا أن نعتد بقلة الكتاب و عدم إتقانهم لها، و فيهم المحسنون المتقنون أمثال زيد بن ثابت، و عبد الله بن عمرو بن العاص، و لو قبلنا جدلا ما ادعوه من ندرة وسائل الكتابة و صعوبة تأمينها لكفى في الرد عليهم أن المسلمين دونوا القرآن الكريم و لم يجدوا في ذلك صعوبة، فلو أرادوا أن يدونوا الحديث ما شق عليهم تحقيق تلك الوسائل كما لم يشق هذا على من كتب الحديث بأذن رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) و لا بد من أسباب أخرى، و إنا لنرى تلك الأسباب من خلال الآثار الثابتة عن رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) و عن الصحابة و التابعين و سنرى أن تدوين الحديث مر بمراحل منتظمة حققت حفظه و صيانته من العب و قد تضامنت الذاكرة