مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥١٦ - المعاذير المنحوتة
العرب، لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك، و الذين كرهوا الكتاب كابن عباس و الشعبي و ابن شهاب و النخعي و قتادة و من ذهب مذهبهم و جبل جبلتهم كانوا قد طبعوا على الحفظ، فكان أحدهم يجتزي بالسمعة، و ليس أحد اليوم على هذا، و لو لا الكتاب لضاع كثير العلم، و قد أرخص رسول الله ((صلى الله عليه و آله و سلم)) في كتاب العلم و رخص فيه جماعة من العلماء..."(١). قيل: إن ذوي العلم يعرفون أن الكتابة كانت قليلة في عرب الجاهلية و نشأة الإسلام، و أن من كان يكتب لم يكن يحسن الكتابة، بل كان يبذل وقتا طويلا في عدد من الأسطر ينكب عليها، فلا يفرغ منها إلا و قد أفرغ جهده معها، و إذا كان الأمر كذلك أ يؤثر رسول الله ((صلى الله عليه و آله و سلم)) حديثه على القرآن فيدع الصحابة يضيعون فراغهم به فيهملون تدوين كتاب الله؟(٢). و قيل: إن النبي ((صلى الله عليه و آله و سلم)) قد نهى عن كتابة الحديث، و لأجل ذلك لم يكتب الحديث في عصر الصحابة كما صرح به ابن حجر في مقدمة فتح الباري: ٤ قال:" إن آثار النبي ((صلى الله عليه و سلم)) لم تكن في عصر الصحابة و كبار تبعهم مدونة في الجوامع و لا مرتبة لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، و ثانيهما لسعة حفظهم و سيلان أذهانهم، و لأن أكثرهم لا يعرفون الكتابة"(٣). أقول: هذه علل و معاذير ذكروها بعد مضى زمن طويل تبين فيه خطأ هذه الفكرة، و اتضحت عواقبها السيئة لتوجيه عمل الخليفة.
(١) جامع بيان العلم ٨٣: ١.
(٢) مقدمة تقييد العلم: ١٨ و راجع مقدمة فتح الباري: ٤ و تقييد العلم: ٥٨ و راجع تدوين السنة: ٣٩٠ و ما بعدها و السنة قبل التدوين: ٣٠٢ عن تأويل مختلف الحديث: ٣٦٦ و راجع أيضا: ٣١٥ و ٣١٦.
(٣) و راجع الأضواء: ٢٥٩ و ٢٦١ و تنوير الحوالك في المقدمة: ٥ و قد تكلم حول هذا التعليل في تدوين السنة: ٣٩٠ و ما بعدها و راجع أيضا السنة قبل التدوين: ٣١٥ و ٣١٦.