مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٦١٩ - غاية المطاف
و هذا هو العلة الحقيقة لما عمله الخليفتان من إحراق الأحاديث لا ما عللوه به إرضاء للجهلة و المغفلين، و ليكن هذا في ذكرك حتى يأتي بيان أوفى و أدق من ذلك.
هناك علة أخرى:
قدمنا الإشارة إلى أن قريشا حاربت رسول الله ((صلى الله عليه و سلم)) و عارضته و قاتلته بكل ما عندها، من حول و طول إلى أن عجزت و استسلمت و أظهرت الإسلام و لم تؤمن قلوبهم إلا القليل منهم، ثم شرعت في المعارضة و المنابذة و المجابهة مع النبي ((صلى الله عليه و آله)) بنحو دقيق تحت ستر الإسلام من قولهم:" إنه بشر يغضب" و" إن المرء ليهجر حسبنا كتاب الله" و تركهم عملا ما بلغ رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) يوم الغدير، و تغييرهم الأحكام التي بينها النبي ((صلى الله عليه و آله)) من حكم المتعتين و الأذان و التيمم واحدا بعد واحد، و أخذوا في العمل بالرأي و القياس وسموا ذلك اجتهادا، و قد استوفى البحث عن ذلك العلامة الأميني (رضوان الله عليه) في كتابه القيم الغدير و العلامة العسكري في معالم المدرستين و العلامة السيد جعفر في الصحيح من السيرة(١). فهذا القصد يقتضي إمحاء السنن النبوية و لو بالتدريج أو نقول:
" إن هذا المنع عن الحديث ينسجم مع سياسة و تدبير الحاكم الذي لا يريد أن تكثر الاعتراضات عليه بمخالفة أقواله و أفعاله لأقوال و أفعال الرسول ((صلى الله عليه و آله)) أو القرآن الكريم... و لأجل ذلك أيضا فقد منعوا عن السؤال عن القرآن و تفسيره حيث لم يكن مجال للمنع عن كتابته و تلاوته و... فإن ذلك يطمئن السلطة إلى أن الأمور التي تهتم بطمسها و إخفائها سواء مما يرتبط ببعض شخصياتها أو يقوي موقف خصومها- هذه الأمور- لن تظهر و ستبقى رهن الخفاء و الكتمان، و لن يكون
(١) استمر هذا التغيير و التبديل إلى موت عثمان، و أما ما جرى بعده فمن المصائب الجليلة إذ لم يبق من الاسلام أصولا و فروعا إلا اسمه.