مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٨٨ - اتخاذه الخاتم
اعتذار يقدمون رجلا و يؤخرون أخرى حرصا على ملكهم.
مثل لعقلك نداءه يوم نادى قريشا بقوله ((صلى الله عليه و آله)):" قولوا لا إله الا الله تفلحوا" فلبته القلوب الحية الخاضعة للحق، و قبله إنسان مكة، و آمنوا و أسلموا حتى رجع إليها أشراف قريش و عاتبوهم و لاموهم و قرعوهم بسياط العصبية، فأرجعوهم وراءهم القهقرى، قال المسور بن مخرمة الزهري:" لما أظهر رسول الله ((صلى الله عليه و آله و سلم)) الإسلام، أسلم أهل مكة كلهم، و ذلك قبل أن تفرض الصلاة، حتى إذا كان يقرأ السجدة ما يستطيع أن يسجد(١)حتى قدم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة و أبو جهل بن هشام و غيرهما- و كان بالطائف في أراضيهم- فقالوا: تدعون دين آبائكم؟!! فكفروا"(٢). فترى نداءه نداء التوحيد يوقظ الشعور السليمة و يؤثر.
مثل لعقلك هذا النداء و نداءه بعد حقب من الدهر يدعو ملوك الدنيا إلى الله تعالى:
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ... وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ يدعو إلى التحرر من كل شيء دون الله تعالى، و يدعو إلى الخروج عن عبودية كل شيء إلى العبودية لله تعالى، تجد صدى ذاك في جبال مكة تقرع الآذان، و ترى هذا يقرأ في قصور الملوك يهز كل سامع و يوقظ كل ضمير حي، و كلاهما نداء واحد يملآن القلوب رعبا و تحس الأفئدة منهما رأفة و حنانا، و تجدهما نداء والد شفيق يدعو ولده بعطف و حنان و نداء إلهيا توجل القلوب منه و تصدع، فنداؤه في مكة أوجد هيوجا و انقلابا روحيا يتصل بانقلاب ظاهري مادي و إيمان صلب يقاتل و يناضل، و نداؤه في السنة السابعة أيقظ الشعور الحية في العرب و العجم في قبائلهم و قصورهم و مجالسهم، فلم يتمالكوا أن خضعوا له و لبوه أو استسلموا متخذين جانب الصلح و الاستسلام، لبوه بالكتب المملوءة بالإكرام و الإعظام
(١) في نقل يحيى بن معين:" حتى إن كان ليقرأ بالسجدة فيسجدون و ما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام و ضيق المكان لكثرة الناس حتى قدم رءوس قريش".
(٢) المستدرك للحاكم ٤٩٠: ٣ و تاريخ يحيى بن معين ٢١٢/ ٥٣: ٣.