المناظر الناضرة في أحکام العترة الطاهرة (الصلاة) - علوی گرگانی، محمدعلی - الصفحة ٢٨١ - في بيان الأقوال في لزوم السورة بعد الحمد
الكراهة بالنسبة إلى بعض مصاديقه، بقرينة منفصلة لا يوجب صرفهما عن ظاهرهما فيما عداه، ولا يلزم من ذلك استعمال اللّفظ في معنيين.
نعم، قد يتأمّل في دلالتها على المدّعى، نظراً إلى أنّ محطّ النظر في الرواية هو المنع عن التبعيض والقرآن، وهو لا ينافي الرخصة في تركها رأساً، ولكن سوق التعبير يشعر بالمفروغية عن أصل القراءة، فليتأمّل). انتهى [١].
أقول أوّلًا: لايخفى عليك أنّ تكرّر أداة النهي (لا) في جملة واحدة، يدلّ على وجود جملة فعلية في التقدير، فيصير الحاصل أنّه لا تقرأ في المكتوبة أقلّ من سورة، ولا تقرأ بأكثر منها، فحينئذٍ لا وجه للإشكال في استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى لتعدّد اللفظ، وإمكان أن يكون قوله: (لا تقرأ) في الفقرة الثانية مستعملة في الكراهة لأجل قرينة منفصلة، و (لا تقرأ) في الفقرة الأولى للحرمة، هذا لو لم نقل استعمالهما في الحرمة كما عرفت أنّه المشهور بين الأصحاب.
وثانياً: لو أبيت عمّا ذكرنا، فلا منع أن يُقال باستعمال (لا يقرأ) في أمر جامع وهو مطلق المرجوحيّة، حتّى تكون في الأقلّ مع المنع من الفعل، فينتج الحرمة وفي الأكثر مع الرخصة في فعله فيدلّ على الكراهة، فالاستعمال لم يكن إلّافي معنى واحد نظير ما قيل في قوله: (اغتسل للجمعة والجنابة) حيث قد استعمل في مطلق الرجحان، بحيث يشمل المنع من الترك هو الوجوب، والإذن فيه وهو الاستحباب.
وثالثاً: هو ما عرفت من كلام صاحب «المصباح» من أنّ التصرّف في أحد
[١] مصباح الفقيه: ٢٨٦.
المناظر الناضرة فى أحكام العترة الطاهرة (الصلاة)، ج٧، ص: ٢٨٢
الموردين بدلالة قرينة منفصلة، لا يضرّ في ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة؛ لأنّ بدلالة القرينة نرفع اليد عن الظهور، فالاستعمال لا يكون إلّافي معنى واحد وهو الحرمة في كلا الموردين، كما لا يخفى.
هذا كلّه جواب الإشكال عن لزوم استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
ثمّ نتعرّض لدلالة الرواية، فإنّ النهي عن الأقل من سورة:
تارةً: يُراد به النهي عن التبعيض الاستغراقي ردّاً على العامّة حيث أنّهم يرون جوازه.
واخرى: يُراد به النهي عن ترك السورة أي المجموعة.
وثالثة: يُراد به النهي عن كليهما كما هو الظاهر بحسب الإطلاق.
فحينئذٍ تكون الرواية من الأدلّة الدالّة على المنع من الترك والتبعيض، وإن كان لفظ الأقلّ من سورة ظاهرٌ في النهي عن التبعيض، فعليه يستلزم الجمع مع استلزام المنع عن الترك.
قد يُقال: بأنّ المنع عن التبعيض هو أعمّ من المنع من الترك، لإمكان كون الترك مرخّصاً دون التبعيض، فيدور الأمر بين إتيان سورة كاملة، أو الترك رأساً، وأمّا الإتيان التبعيضي فهو ممنوع.
فإنّه يُقال: إنّه إن اريد ذلك لابدّ أن يعلّق النهي عنه بفرض الإتيان بالسورة، بأن تُحمل الرواية على تقدير أنّه إن شئت الإتيان بالقراءة بعد الحمد فلا تقرأ أقلّ من سورة، وحيث لم يقدر على ذلك فيحمل الحكم الوارد فيها على صورة عدم القدرة، ومنه يستفاد أنّ المفروض هو الإتيان بالسورة بحيث يكون وجوب ذلك مفروغاً عنه، فيستفاد منها الوجوب، فيكون النهي حينئذٍ شاملًا لكلتا الصورتين