الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٥٢
الفصل السادس فصل (و) فى المواضع
إن الأمور الظاهرة التفاوت لا تحوجنا إلى استعداد لها[١] بالمواضع، بل المواضع إنما تنفعنا فيما يخفى[٢] فيه التفاوت.
فمن المواضع أن ما هو أطول زمانا، و أكثر ثباتا، فهو آثر. و ليس هذا بحق، إذا أخذ مطلقا. فقد يؤثر المؤثر القصير[٣] المدة العظيم في أنه مؤثر على الخسيس الطويل المدة؛ إلا أن هذا قد يستعمل في المشهور. و أما إذا تساوى الشيئان[٤] في النوع، فأطولهما زمانا، و أكثرهما[٥] ثباتا، فهو آثر. و الفرق بين ما هو أطول زمانا، و أكثر ثباتا، أن الشيء قد يكون مساويا لنظيره في الزمان، لكنه إذا ثبت على حالة واحدة من[٦] الشدة، و الآخر لم يزل يشتد و يضعف في تلك المدة كان هذا أكثر ثباتا.
و مختار الأريب[٧] الحسن الاختيار، أو الصالح، أو مختار[٨] الشريعة الصحيحة، أو مختار جماعة من مبرزين في الفضل و المعرفة في ذلك الباب، أو مختار الأكثر منهم، فهو أفضل.
و هو مشهور؛ و يختلف[٩]. و كذلك ما يختاره الكل لذاته، فهو المتشوق[١٠] إليه بحسب الكل، فهو أفضل في ذاته، و أولى بالاختيار. و هذا إنما يكون حقا إذا[١١] كان الشيء مؤثرا فى نفسه لذاته، لأنه خير. و أما إذا لم يكن كذلك، فهو مشهور، و ليس بحق دائما. فقد يكون ما يؤثره الناس كلهم كالصحة و السلامة ليس كما يؤثره الفضلاء من السعادة في الآخرة.
و المختار في الصناعة التي هى أفضل كالفلسفة الأولى، أولى بالاختيار مما هو مختار فى صناعة أخس[١٢]، كالموسيقى. و هذا يصير حقا إذا اعتبرت[١٣] أمرين: أحدهما أن يكون
[١] استعداد لها: استعدادها ن.
[٢] يخفى: يخفا ب، سا.
[٣] القصير: لقصير ه.
[٤] الشيئان: النوعان س
[٥] و أكثرهما: أو أكثرهما م.
[٦] من: فى س، ه.
[٧] الأريب: الأديب سا، م؛ و الأديب ن.
[٨] و مختار: و مختاران
[٩] و يختلف: و يخلف ب، س، سا، ه
[١٠] المتشوق: المسبوق د، ن.
[١١] إذا: إذ ن.
[١٢] أخس: أحسن م، ن؛ أخرد.
[١٣] اعتبرت: اعتبر من د، ن.