منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٧ - الثالث في كيفية علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها
و الذي ينبغي أن يصار إليه هو أن يقال: لمّا ثبت كون الواجب عالما بذاته، لزم كونه عالما بجميع الموجودات، فانّ ذاته علة موجبة لجميع ما عداه، و مبدء لفيضان كلّ إدراك حسيّا كان أو عقليّا، و منشأ لكل ظهور، ذهنيّا كان أو عينيّا، إمّا بدون واسطة، أو بواسطة هي منه، و العلم التّام بالعلة الموجبة يستلزم العلم التّام بمعلولها، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التّامة، فيلزم من تعقلها بكنهه، أو بالوجه الذي ينشأ منه المعلول: تعقله، فلزم كونه عالما بجميع المعلومات، و أما معرفة كنه هذا الحضور و العلم فلا سبيل لنا إليه كما لا سبيل لنا إلى إدراك ذاته.
و لنعم ما قال المدقق السّابق في كتاب المبدأ، حيث قال: و أمّا كيفيّة علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الاتّحاد، و لا كونه فاعلا و قابلا، و لا كثرة في ذاته بوجه غير ذلك، تعالى عنه علوّا كبيرا، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكميّة، قل من يهتدي إليه سبيلا، و لم يزل قدمه فيها، حتّى الشّيخ الرّئيس[١] أبي علي بن سينا، مع براعته و ذكائه الذي لم يعدل به ذكاء، و الشّيخ الالهي صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه و كثرة ارتياضه بالحكمة، و مرتبة كشفه، و غيرهما من الفايقين في العلم، و إذا كان هذا حال أمثالهم فكيف من دونهم من اسراء عالم الحواس، مع غشّ الطبيعة و مخالطتها.
و لعمرى إن إصابة مثل هذا الأمر الجليل على الوجه الذي يوافق الاصول الحكميّة، و يطابق القواعد الدّينيّة، متبرّءا عن المناقشات، و منزّها عن المؤاخذات، في أعلى طبقات القوى الفكريّة البشريّة، و هو بالحقيقة تمام الحكمة الحقّة الالهية انتهى.
أقول: و لصعوبة ذلك لم يأتوا : في الجواب عن هذه المسألة في الأحاديث السّالفة و غيرها مع كثرتها، إلّا بكلام مجمل من غير تفصيل، لما رأوا قصور الأفهام و المدارك عن دركها[٢] تفصيلا، فسبحان من عجز عن إدراك ذاته الأفهام
[١] حيث ذهب الى الصور المرتسمة منه
[٢] اى درك كيفية العلم منه