منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١٣ - و ثانيها التخلص
هو كونه دالّا على ما بني الكلام عليه من مدح أو هجاء أو تهنية أو عتاب أو توبيخ و تقريع أو بشارة أو نعي أو غير ذلك، فلو جمع المطلع بين حسن الابتداء و براعة الاستهلال كان هو الغاية التي لا يدركها إلا مصلي هذه الجلبة و الحالب من أشطر البلاغة أو فر حلبة، و هو كثير في كلام أمير المؤمنين ٧ و ارشدك إلى موضع واحد و هو قوله ٧ في المخ له: (٣٥) الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل.
فان هذا المطلع ينبئك عن عظم ما يتلوه من النباء، و في هذا المختار أنواع من البديع يكاد أن يكون سحرا حسبما ندلك عليها، و فيه شهادة عظيمة على عظم شأن قائله سلام اللّه عليه و منه في النّظم قول أبي تمام يهنّي المعتصم بفتح قلعة عمورية و كان المنجمون زعموا أنها لا تفتح في هذا الوقت:
|
السّيف اصدق إنباء من الكتب |
في خدّه الحدّ بين الجدّ و اللّعب |
|
|
بيض الصّفايح لاسود الصّحايف في |
متونهنّ جلاء الشّكّ و الرّيب |
|
و ثانيها التخلص
و هو الخروج و الانتقال ممّا افتتح به الكلام إلى المقصود على وجه سهل برابطة ملائمة و جهة جامعة يختلس به المقصود اختلاسا رشيقا بحيث لا يتفطن السّامع للانتقال من المعنى الأوّل إلّا و قد رسخت ألفاظ المعنى الثّاني في السّمع و قرّ معناه في القلب، و إنّما كان ذلك من المواضع الثلاثة التي ينبغي للمتكلّم أن يتأنق فيها، لأنّ السّامع مترقب للانتقال إلى المقصود كيف يكون، فاذا كان حسنا متلائم الطرفين حرّك من نشاط السّامع و أعان على إصغاء ما بعده و إلّا فبالعكس.
و قد ينتقل من مفتتح الكلام إلى المقصود من غير ملائمة و يسمّى ذلك اقتضابا و ارتجالا، و منه ما يشبه التخلص في أنّه يشوبه شيء من الملائمة، كقولهم بعد الخطب: أما بعد، فانّه اقتضاب من جهة أنّه انتقل من حمد اللّه و الثّناء على رسوله إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما، لكنّه يشبه التخلص من جهة أنّه لم يؤت بالكلام