منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١٢ - أحدها الابتداء
قالوا: وقف و استوقف، و بكى و استبكى و ذكر الحبيب و المنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السّبك إلا أنّه لم يتأتّ له ذلك في النصّف الثّاني، بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة، و أحسن من ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
|
فديناك من ربع و ان زدتنا كربا |
فانك كنت الشّرق للشّمس و الغربا |
|
|
و كيف عرفنا رسم من لم يدع لنا |
فؤادا لعرفان الرّسوم و لالبا |
|
|
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة |
لمن بان عنه ان نلمّ به ركبا |
|
ثم اعلم أنّهم فرّعوا على حسن الابتداء براعة الاستهلال و هو أن يكون أوّل الكلام دالّا على ما يناسب حال المتكلم، متضمنا لما سيق الكلام لأجله من غير تصريح بل بألطف إشارة يدركها الذّوق السّليم و الطبع المستقيم.
قال ابن المقفّع: ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أنّ خير أبيات الشّعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، قال الجاحظ: كأنّه يقول: فرق بين صدر خطبة النّكاح و خطبة العيد و خطبة الصّلح حتّى يكون لكلّ فنّ من ذلك صدر يدلّ على عجزه، فانّه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك، و يشير إلى مغزاك، و إلى العمود الذي إليه قصدت، و الغرض الذي إليه نزعت.
قالوا: و العلم الأسنى في ذلك سورة الفاتحة التي هي مطلع القرآن، فانّها مشتملة على جميع مقاصده، و كذلك أوّل سورة اقرء، فانّها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من البراعة، لكونها أوّل ما انزل من القرآن، فانّ فيها الأمر بالقرائة و البداء فيها باسم اللّه، و فيها ما يتعلق بتوحيد الرّب و اثبات ذاته و صفاته من صفة ذات و صفة فعل، و فيها ما يتعلق بالأحكام، و ما يتعلق بالاخبار، من قوله:
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ و لهذا قيل: إنّها جديرة أن تسمّى عنوان القرآن، لأنّ عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارات و جيزة في أوّله، فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ براعة الاستهلال في مطلع الكلام